الفصل 6: تحت سقف لا ينام
لمّا التفتت هذه المرة… لم يتبقَّ مجال للشك.
الوسام الفضي على كتفه، والخاتم الملكي في يده، وهيبته التي لا تشبه أحداً…
إنه الأمير.
تصلّب جسدها أكثر، لكن نظرتها لم تنخفض.
قال بهدوء:
"أظنكِ تعلمين أن التجوّل هنا ليلاً ليس مسموحاً."
نبرته لم تكن مرتفعة، لكنها كانت تحمل سلطة واضحة.
ردّت ببرود:
"وأظنك تعلم أنني لست سجينة."
لم تعجبه الجملة. ظهر ذلك في عينيه.
اقترب درجة واحدة فقط على الدرج، فأصبح الفارق بينهما ضئيلاً.
"كل من في هذا القصر تحت سلطتي."
رفعت حاجبها باستخفاف خفيف:
"حتى من لا يعترفون بسلطتك؟"
مرّت لحظة صمت ثقيل.
عيناه اشتدتا قليلاً، لكن صوته بقي هادئاً:
"الحذر أفضل لكِ. هناك أمور لا تفهمينها بعد."
"إذن اشرحها." قالتها بسرعة.
نظر إليها طويلاً… ثم قال:
"حين يحين الوقت."
التفت ليغادر، ثم توقف نصف ثانية وأضاف دون أن ينظر إليها:
"ولا تجعلي نفسكِ هدفاً سهلاً."
ثم صعد الدرج واختفى.
بقيت وحدها…
لكن شيئاً تغيّر.
لم يكن مجرد أمير متعجرف.
ولا مجرد رجل يراقبها.
كان يخفي شيئاً.
وهي… لن تبقى بعيدة عن ذلك السر.
اختفى الأمير في أعلى الدرج، لكن حضوره ظل عالقاً في الهواء كأن الجدران نفسها تحفظ أثر خطواته.
بقيت مكانها لحظة… ثم تحرّكت أخيراً.
لم تكن خائفة.
كانت غاضبة.
“كل من في هذا القصر تحت سلطتي.”
ترددت الجملة في رأسها وهي تنزل ببطء نحو الممر السفلي.
عند المنعطف الأخير، سمعت همساً خافتاً قادماً من القاعة الجانبية. توقفت فوراً.
صوتان.
أحدهما خشن… والآخر مألوف.
اقتربت أكثر، تختبئ خلف عمود حجري عريض.
“…لا يجب أن تعلم.” قال الصوت الخشن.
ثم جاء الرد، منخفضاً ومتوترًا:
“لكنها بدأت تقترب من الحقيقة.”
تجمّدت.
الصوت الثاني… كان صوت الخادمة.
شعرت ببرودة تسري في أطرافها.
عن أي حقيقة يتحدثان؟
تحرّكت خطوة صغيرة لتحاول الرؤية، لكن قدمها احتكّت بحصاة صغيرة على الأرض.
صوتها كان خفيفاً… لكنه كافٍ.
سكت الهمس فجأة.
خطوات سريعة اقتربت من المدخل.
لم يكن أمامها خيار. اندفعت نحو الممر المقابل واختبأت خلف ستارة سميكة تغطي نافذة عالية.
مرّ رجل يرتدي زيّ الحرس، نظر حوله بتوتر، ثم قال بصوت منخفض:
“لا أحد هنا.”
لكن الخادمة لم تتكلم هذه المرة.
مرت ثوانٍ طويلة… ثم انصرفا.
خرجت البطلة ببطء من خلف الستارة، وقلبها يخفق بقوة.
الخادمة تعرف شيئاً.
والأمير حذّرها الليلة.
وهناك “حقيقة” لا يجب أن تُعرف.
رفعت رأسها نحو الأعلى… نحو الطابق الذي اختفى فيه الأمير.
هل كان يعرف؟
أم أنه جزء من هذا كله؟
وقبل أن تغادر الممر، لمحت شيئاً على الأرض قرب العمود الحجري.
قطعة قماش صغيرة… عليها نفس الرمز الذي رأته سابقاً.
هذه المرة لم يكن صدفة.
أخذتها بسرعة وأخفتها في جيبها.
والآن… لم تعد تهرب فقط.
بل بدأت تبحث.
قبضت على قطعة القماش الصغيرة بقوة، كأنها تخشى أن تختفي بين أصابعها.
الرمز نفسه.
نفس الخطوط المتداخلة… نفس الشكل الغريب الذي لاحقها منذ الليلة الأولى.
رفعت رأسها فجأة حين سمعت حركة خلفها.
“كنتُ أعلم أنكِ لن تطيعي التحذير.”
صوته.
التفتت بسرعة. كان واقفاً عند مدخل الممر، لا يبدو متفاجئاً… بل كأنه كان ينتظر هذه اللحظة.
أخفت يدها بسرعة داخل جيبها.
اقترب خطوة، عينيه تنزلان إلى يدها ثم تعودان إلى وجهها.
“ماذا وجدتِ؟”
“لا شيء.” ردّت بسرعة.
لم يقتنع. ظهر ذلك في صمته.
اقترب أكثر، حتى لم يعد بينهما سوى مسافة قصيرة.
“هذا القصر مليء بأشياء لا تخصكِ.”
نظرت إليه بثبات هذه المرة.
“ومن قال إنني أبحث عما يخصني فقط؟”
لمعت عيناه بشيء أشبه بالانزعاج… أو ربما الإعجاب الخفي بتحديها.
“فضولكِ سيورّطكِ.”
“وأنتَ؟” قالت بحدة أخف، “لماذا تراقبني؟”
ساد صمت قصير.
لم يجب مباشرة.
بل مدّ يده فجأة… وأمسك معصمها، ليس بعنف، لكن بحزم كافٍ ليوقفها عن الحركة.
“لأن هناك من يراقبكِ غيري.”
توقفت أنفاسها.
“من؟”
أفلت يدها ببطء.
“حين أعرف… سأخبركِ.”
كأنه يقول الحقيقة… أو نصفها.
ثم التفت قليلاً، وكأن وجوده هنا طال أكثر مما يجب.
لكن قبل أن يغادر، قال دون أن ينظر إليها:
“إذا كنتِ ذكية… تظاهري بالجهل.”
تركها هناك… مع جملة أثقل من أي تهديد.
وقفت وحدها في الممر الحجري، أصابعها ما تزال تشعر بحرارة قبضته.
“تظاهري بالجهل…”
إذن هناك لعبة أكبر مما ظنت.
وأول خطوة فيها… أن لا تُظهر أنها بدأت تفهم.
رفعت رأسها، نظرتها صارت أكثر ثباتاً.
لم تعد مجرد فتاة تهرب في الظلال.
بل بدأت تدخل اللعبة.
دون أن تعرف… من سيكون خصمها الحقيقي.
بقيت واقفة لحظة، كلماته ما زالت تدور في رأسها.
لكن هذه المرة لم يمشِ بعيداً.
استدار نحوها فجأة.
“تعالي.”
لم يكن طلباً… بل أمراً.
“لا أحتاج مرافقة.” قالت ببرود.
نظر إليها نظرة قصيرة، حادة.
“وأنا لا أطلب رأيك.”
ثم أمسك ذراعها بخفة صارمة، وبدأ يصعد بها الدرج.
لم يكن يجرّها بعنف، لكنه لم يترك لها خيار التراجع.
“اتركني.” همست بحدة.
“أنتِ من لا تفهمين الوضع.” ردّ دون أن يبطئ خطواته.
صعدا درجات طويلة في صمت مشحون.
كلما اقتربا من الطابق العلوي، خفّت أصوات الحراس… لكن التوتر بينهما ازداد.
عند باب جناحها، توقف.
أفلت يدها أخيراً.
“من الآن فصاعداً، لا تخرجي ليلاً.”
رفعت ذقنها بعناد.
“وإن خرجت؟”
اقترب خطوة واحدة، حتى شعرت بظلّه يحيط بها.
“فلن أكون أنا من يعيدكِ هذه المرة.”
كانت جملة واضحة.
تهديد… أم حماية؟
لم تستطع تحديد ذلك.
فتح الباب ودفعه قليلاً.
“ادخلي.”
ترددت نصف ثانية… ثم دخلت.
وقبل أن يُغلق الباب، قالت دون أن تنظر إليه:
“لن أبقى جاهلة كما تريد.”
سكت لحظة.
ثم ردّ بصوت أخفض مما توقعت:
“وهذا ما أخشاه.”
أغلق الباب بهدوء.
وبقيت هي في جناحها…
لكنها لم تشعر بالأمان.
هذه المرة، لم يكن القصر سجناً فقط.
كان ساحة لعبة بدأت تتشكل.
وهي… صارت جزءاً منها.