أوتــــــار أربــــــعة - الفصل 62 - بقلم Amani algeria | روايتك

اسم الرواية: أوتــــــار أربــــــعة
المؤلف / الكاتب: Amani algeria
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 62

الفصل 62

** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶** آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯ‏‏هہ . . . . . . . . . ↓ ما إن توقفت السيارة أمام بوابة القصر حتى فتح زكريا الباب قبل أن تستقر تمامًا، وترجّل راكضًا كأن الأرض تضيق به. اندفع عبر الساحة، خطواته تضرب الرخام بقوة، وصوت أنفاسه يسبق صوته. خلفه نزل راكان، أخرج الحقائب وأغلق السيارة بعنف مكتوم، ثم تقدّم بخطوات ثقيلة، والغضب يشتعل في صدره كلما تذكّر ما رآه في هذا القصر الملعون . دخل زكريا من الباب الخارجي متجاوزًا الحراس الذين تراجعوا بصمت أمام ملامحه المتوهجة. وصل إلى الباب الرئيسي… وطرق بعنفٍ كأن الطرق وحده لا يكفي. فُتح الباب. كانت الخادمة أمامه، ملامحها مذعورة، لكنه لم ينتظر كلمة. دفع الباب ودخل بخطوات واسعة. في الصالة الكبيرة، حيث كانت الثريات معلّقة كشموعٍ حزينة، كان.يجلس على الأريكة، رأسه بين يديه، كتفاه منحنِيتان تحت ثقلٍ غير مرئي. توقّف زكريا. قلبه خفق بعنف. هذا هو أخوه… بعد سنوات الغياب. كبر. اشتدّ عوده. تغيّرت ملامحه، لكن الانكسار فيها كان واضحًا. رفع عبدالعزيز رأسه ببطء، ظنّ أن أفنان عادت لتواسيه مرة أخرى. لكن ما إن التقت عيناه بعيني زكريا… توقّف الزمن. كأن الهواء انقطع عن الغرفة. الثريا لم تعد تتأرجح. الساعة على الجدار توقفت. حتى أنفاسهما تجمّدت في صدريهما. ظلّا ينظران لبعضهما، غير مصدّقين. خرج الاسم من شفتي عبدالعزيز متكسّرًا: — زكر… زكريا؟ لم يجب. خطا خطوة واحدة… ثم أخرى. وفي لحظة واحدة، كانا يتعانقان بقوة، عناقًا لم يحتمل المسافة ولا السنوات. شدّ كل واحدٍ منهما الآخر كأنه يخشى أن يختفي ثانية. ارتجف نفس عبدالعزيز. وزكريا… لأول مرة منذ سماعه الخبر، شعر أن شيئًا في صدره ينكسر بصمت. ابتعد عبدالعزيز قليلًا، نظر إلى وجهه، كأنه يتأكد أنه ليس خيالًا. — رجعت… أومأ زكريا، وصوته خرج مبحوحًا: — للأبد… رجعت للأبد. خفض عبدالعزيز نظره وجلس ببطء، وكأن الكلمات القادمة أثقل من أن تُقال. — جيت متأخر يا أخوي… انخفض رأس زكريا، واشتدت قبضته حتى ابيضّت مفاصله. كان يتمنى أن ينكرها. أن يقول: لا… ما فات شيء. لكن الحقيقة كانت واقفة بينهما. صامتة. قاسية. رفع رأسه حين لمح راكان يضع الحقائب قرب الباب. — راكان. التفت إليه. — السموحة منك يا زكريا… بس تعبان شوي. أبي أرجع البيت أرتاح… تكلموا براحتكم، وبكرا إن شاء الله اجيك. وقف عبدالعزيز ينظر إليه، لكن حين التقت عيناه بعيني راكان، شعر بشيءٍ حادّ في نظرته لقد رمقه بحدة وشراسة ، فخفض رأسه بصمت. خرج راكان. وأُغلق الباب. سكنت الصالة. جلس زكريا مقابل أخيه. صمت طويل. ثم قال بهدوءٍ متكسّر: — كيف… صار؟ أغلق عبدالعزيز عينيه لحظة، كأنه يعيد المشهد من جديد. — كان تعبان الفترة الأخيرة… بس ما كان يبي يبيّن. كان يقول ضغط بس… ذاك اليوم… يوم إنخطفت ورحنا ورا الكلب اللي خطفها … سوولنا مكيدة و... ومقدرنا وهربو وأخذوها معاهم ولما … رجعنا لللبيت كان... كان إنهار وو.. … وبعدها سكت. لم يقل أكثر. لكن الدموع التي حاول حبسها خانته. شعر زكريا أن صدره يُسحق. إبراهيم… الرجل الذي كان صوته أمان البيت. الذي لم يرفع صوته يومًا إلا ليصلح. الذي كان سندهم جميعًا. لم يكن مجرد أب… كان العمود. وها هو العمود يسقط. مرّر زكريا يده على وجهه ودموعه تهطل ، ثم قال بصوت خافت: — كنت لازم أكون هنا. ردّ عبدالعزيز بمرارة: — حتى لو كنت هنا… كلنا كنا هنا… بس ما قدرنا نسوي شي… وأختك أخذوها… عند كلمة أخذوها انكسر صوته، وانهمرت دموعه دون مقاومة. أنزل رأسه بين يديه، واهتزّت كتفاه وهو يبكي بحرقةٍ لم يحاول هذه المرة أن يخفيها. الصالة امتلأت بصوت أنفاسه المتقطعة. أما زكريا… فلم يتحرك في البداية. وقف أمام أخيه، يحدّق به، وكأن الكلمات لم تصل بعد. ثم بدأت تصل… ببطء… كالسكاكين. كلنا كنا هنا… ما قدرنا نسوي شي… وأختك أخذوها. شعر بشيء يضغط صدره بقوة حتى كاد يختنق. ارتجفت شفتاه، لكنه عضّ عليها بقسوة. حاول أن يبقى صلبًا… حاول أن يكون الجدار الذي يستندون إليه. لكن الجدار نفسه كان يتصدّع. جلس ببطء على الأريكة المقابلة، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، ومرّر يديه على وجهه بعنف، كأنه يريد أن يمحو المشهد كله. صوته خرج منخفضًا، مخنوقًا: — كنت بعيد… وأنا مفكّر نفسي أرجع وأعوض كل شي… توقفت كلماته. لم يستطع إكمالها. انحنى أكثر، وأخفى وجهه بين كفّيه. لأول مرة منذ دخوله القصر… لم يكن غاضبًا. كان موجوعًا. موجوعًا بطريقة عميقة، صامتة، تشبه الفراغ الذي يبتلع الصوت قبل أن يخرج. تخيّلها وهي تصرخ… تطلب النجدة، تحاول الفرار … وهو؟ كان بعيدًا. ضحكة قصيرة خرجت منه، لكنها لم تحمل أي فرح… كانت ضحكة لوم . — أنا الأخ الكبير … كان المفروض أكون الدرع… كان المفروض— انكسر صوته تمامًا. رفع رأسه أخيرًا، ودمعة واحدة انزلقت رغمًا عنه، تبعتها أخرى. لم يمسحهما. تركهما تسيلان. ثم مدّ يده، ووضعها على كتف عبدالعزيز بقوة ثابتة، رغم ارتجاف أصابعه. — ما هو ذنبك… ولا ذنب أحد. سكت لحظة، وصوته تغيّر. — بس أقسم بالله… ما راح يمر هالشي مرور الكرام. وفجأة، سُمعت خطوات بطيئة على الدرج. التفتا معًا. كانت أفنان. ملامحها منتفخة من كثرة البكاء، عيناها حمراوان، ويديها تمسكان بدرابزين الدرج كأنها تخشى السقوط. كانت تنزل دون تركيز… حتى رفعت رأسها. ورأته. توقفت. اتسعت عيناها. رمشت مرة… ثم مرة أخرى. كأنها تخشى أن يكون طيفًا. همست بالكاد تُسمع: — زكريا…؟ لم يجب. فقط فتح ذراعيه. وفي اللحظة التالية، كانت تركض نحوه، تركض بلا توازن، بلا وعي، حتى ارتمت في صدره بقوة. دفنت وجهها في كتفه، وانفجر بكاؤها بحرقةٍ لم تحاول إخفاءها. — ليه تأخرت… ليه تأخرت…؟ نزل معها إلى الأرض دون أن يشعر، جلس على ركبتيه وهو يحتضنها بقوة، يضمّها كما لو كان يحاول جمع كل كسورها بين ذراعيه. كانت ترتجف. وكان هو يربت على شعرها، وصوته مبحوح: — خلاص… خلاص أنا هنا… أنا هنا.