ملحمة الظلال - الفصل الخامس: ذكريات - بقلم عمر طارق | روايتك

اسم الرواية: ملحمة الظلال
المؤلف / الكاتب: عمر طارق
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الخامس: ذكريات

الفصل الخامس: ذكريات

الفصل الخامس: ندوب الماضي مرت ثلاثة شهور منذ وصول كايتو إلى إيثريون. ثلاثة أشهر من التدريب المكثف، المعارك، وتعلم أسرار هذا العالم الغريب. جسده أصبح أقوى، حركاته أكثر دقة، وسيطرته على الكسوف تحسنت بشكل ملحوظ. لكن، بينما كان الجميع مجتمعون حول المدفأة الكبيرة في القاعة، أدرك كايتو أنه رغم كل الوقت الذي قضاه مع رفاقه، لا يزال يعرف القليل جداً عنهم. كايا دخلت حاملة قنينة شيء يشبه الخمر، لكنه يتوهج بلون أخضر. "شراب الجبال الشمالية" قالت. "ريكس أحضره من مهمته الأخيرة." "أين القائد؟" سأل كايتو. "اجتماع مع مجلس المدينة" أجابت كايا. "شيء عن زيادة نشاط الوحوش في المنطقة الغربية." أخذ كايتو كوبا وشرب. كان الطعم غريبا وحلو في نفس الوقت. "احذر" قالت ليلي بابتسامة. "هذا الشراب أقوى مما يبدو. في المرة الأولى التي شربته فيها، استيقظت في اليوم التالي على سطح المبنى وأنا أرتدي درع براك." "ولم أسترده بعد!" اردف براك. ضحك الجميع، حتى سيرا ابتسمت ابتسامة خفيفة. بينما كان الضحك يهدأ، سأل كايتو شيئاً كان يتسائل عنه منذ فترة. "كيف وصلتم جميعاً إلى هنا؟ إلى هذا العالم أعني." بدأ صمت مفاجئ. نظر أعضاء الفريق إلى بعضهم البعض. "هذا... سؤال عميق" قال إيليان، وضع كتابه جانبا. "لكنه سؤال غرضه التعارف،" قالت كايا. "كنت معنا لثلاثة أشهر يا كايتو. أعتقد أنك تستحق معرفة قصصنا." نظرت ليلي إلى النار، وللمرة الأولى منذ أن عرفها كايتو، بدت جادة تماماً. "سأبدأ" قالت بهدوء. "قصتي... ليست قصة سعيدة." أخذت رشفة طويلة من كوبها. "في عالمي او عالمك أيضا يا كايتو ، كنت في الثامنة من عمري. كنت أعيش في الشوارع منذ كان عمري ثماني سنوات. أبي كان سكيراً عنيفا، وأمي... ماتت عندما كنت صغيرة. هربت وتعلمت السرقة، في إحدى الليالي، سرقت من الشخص الخطأ. رجل عصابات كبير. أرسل رجاله خلفي. طاردوني إلى حي مهجور قديم." صوتها أصبح أكثر هدوءا. "كانوا سيقتلوني. أعرف ذلك. رأيته في عيونهم." "ماذا حدث؟" سأل كايتو بهدوء. "وجدت مبنى قديماً للاختباء فيه. في الطابق السفلي، كان هناك غرفة مليئة بأشياء غريبة، تحف، كتب قديمة، رموز على الجدران. وفي الوسط، كان هناك خنجر صغير على الطاولة، يتوهج باللون الوردي." "سلاح؟" سأل إيليان. أومأت ليلي. "لم أكن أعرف ذلك حينها. أمسكته فقط لأنني اعتقدت أنه يمكنني الدفاع عن نفسي به. في اللحظة التي لمسته فيها، انفجر العالم حولي في ضوء وردي. وعندما فتحت عيني مرة أخرى، كنت هنا. في إيثريون." "وماذا حدث بعد ذلك؟" ابتسمت ليلي ابتسامة حزينة. "كنت مرعوبة. ضائعة. جائعة. حاولت السرقة هنا أيضا، هي المهارة الوحيدة التي أعرفها. لكنني سرقت من الشخص الخطأ مرة أخرى." نظرت إلى كايا. "سرقت محفظتها." ضحكت كايا. "ولم أكن سعيدة بذلك." "طاردتني في جميع أنحاء المدينة. في النهاية أمسكت بي، وكنت متأكدة من أنها ستقتلني. لكن بدلا من ذلك..." توقفت ليلي، عيناها تلمع بالدموع، "أخذتني إلى المرشدين. أعطتني طعاماً، مأوى، هدفا. ريكس قال لي أن مهاراتي كلصة يمكن أن تكون ذات قيمة إذا استخدمتها للخير." "ومنذ ذلك الحين، كنت معنا،" قالت كايا بدفء. "سبع سنوات الآن." نظر كايتو إلى ليلي بعيون جديدة. الفتاة المرحة والمؤذية التي كان يعرفها كانت تحمل ألما عميقا من الماضي. "سلاحي" اردفت ليلي، تسحب خنجرين توأمين من أحزمتها، "اسمهما 'الوهم' و'الحقيقة'. وقدرتي السحرية تسمح لي بخلق نسخ وهمية من نفسي، مثالي للإلهاء والتسلل." أعادت الخناجر إلى أماكنها. "لم أهزم ظلي بعد. في الحقيقة، لم أحاول حتى تحديه." "مهلا، ايجب ان اتحدى ظلي لاقاتله؟ ولكن كيف؟" سأل كايتو. "ان كانت لك رغبة قاتلة لمقاتلة ظلك ستدخل عالمه في وعيك و تتواصل معه."قال إيليان جلس كايتو بجانب ليلي، نظرت اليه ليلي بإحراج و وجهها كله احمر، "لماذا؟" سأل كايتو. نظرت إليه مباشرة. "لأنني وجدت شيئاً هنا أفضل مما كان لدي في عالمي. عائلة حقيقية." نظرت حول الدائرة. "هؤلاء الناس... هم كل ما لدي. والفكرة في المخاطرة بكل شيء لمجرد العودة إلى عالم حيث لم يكن أحد يهتم بي؟ لا شكرا، لا اريد ذلك." ثم تحدث براك. "قصتي مختلفة. أتيت من عائلة جيدة في عالمي. أب، أم و أخت صغيرة. كنا سعداء." توقف للحظة. "حتى الحريق." وضع كوبه جانبا. "كان عمري ستة عشر عاما. كان حريقا في منزلنا في منتصف الليل. استيقظت بسبب الدخان. حاولت إنقاذهم، حاولت الوصول إليهم، لكن..." صوته انكسر قليلا. "كان هناك الكثير من الدخان. الكثير من الحرارة. سقطت، وكنت أختنق او أموت." "لكنك نجوت" قال كايتو. "لا. مت." نظر براك إلى يديه. "أو على الأقل، كنت أحتضر. في تلك اللحظات الأخيرة، شعرت بحرارة مختلفة، ليست الحريق، بل شيء آخر. شيء نقي وقوي. وفجأة، كنت هنا، في إيثريون، مستلقيا في حقل." "سلاحك اختارك في تلك اللحظة." قال إيليان. أومأ براك. "سيفي الثقيل، 'الحارس'. وقدرتي السحرية، لهب لا ينطفئ، مثل قدرة القائد ولك القائد في مستوى اخر. صدفة، أليس كذلك؟ النار قتلت عائلتي، والآن أسيطر على النار." "هل حاولت العودة؟" سأل كايتو. "لهزيمة ظلك؟" "كنت سأفعل. في السنوات الأولى، كان كل ما أفكر فيه. لكن ريكس... أخبرني بشيء." نظر براك إلى النار. "قال إن العودة لن تعيد عائلتي. قال إن الطريقة الوحيدة للمضي قدما هي إيجاد سبب جديد للعيش. حماية الآخرين، حتى لا يعانوا كما عانيت." ابتسم، لكنها كانت ابتسامة حزينة. "لذلك هذا ما أفعله. أحمي المدينة، أحمي الفريق. إنه ليس نفس الشيء مثل عائلتي، لكنه... يكفي." وضعت سيرا يدها بهدوء على كتف براك. لم تقل شيئاً، لكن اللمسة قالت كل شيء. نظر إيليان إلى كايتو. "قصتي أقل درامية، لكنها لا تقل أهمية." رفع كوبه، فحص السائل المتوهج. "كنت عبقريا في عالمي. دخلت الجامعة في الثانية عشرة، حصلت على دكتوراه في الفيزياء في السادسة عشرة. كنت مهووسا بفكرة الأكوان المتوازية، العوالم المتعددة." "دعني أخمن" قال كايتو. "تجربة حدثت بشكل خاطئ؟" ابتسم إيليان. "أو بشكل صحيح، حسب كيفية النظر إليها. بنيت آلة زمن عندما كان سني ٢٥ عاما، كنت متزوجا و انجبت طفل، ولكن..." نظر اليه الجميع بتركيز"ابني قد مات. اردت ان اعيده، و استخدمت الة الزمن قبل اكتمالها. لاسافر الى الماضي و امنع موت ابني، عندما شغلتها، حدث شيء لم أتوقعه.اختفيت في الفراغ." "ووجدت نفسك هنا." "كنت اصنع هذه الاله انا و فريقي في عام ١٨٨٣م، و لكن بسبب خلل الاله لعدم اكتمال بنائها، نقلتني الى المستقبل في عالم موازي. عالم حيث الفيزياء التي أعرفها لا تنطبق بنفس الطريقة. عالم حيث السحر حقيقي، والطاقة يمكن التلاعب بها بطرق تتحدى كل ما تعلمته،إنه حلم عالم يتحقق، حقاً. سلاحي، 'المخطوطة'، هو كتاب سحري يسمح لي بتحليل وفهم أي سحر أراه. وقدرتي هي 'الاستنساخ المعرفي' يمكنني نسخ أي تقنية سحرية شاهدتها، طالما أفهم المبدأ الكامل وراءها." "ألست حزيناً على ابنك؟"سأل كايتو ولكن إيليان لم يرد. "سأذهب لانام" قال إيليان. نظرت كايا الى كايتو "منذ مجيئه الى هذا العالم و هو غريب في تصرفاته، بقى لعدة أيام يبكي في غرفته، لا يتعامل مع اي احد الى القائد، ولكن القائد ريكس هو من أعاده الى رشده." وقفت سيرا فجأة. الجميع نظروا إليها. "دوري" قالت بهدوء. جلست مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت عيناها مركزة على النار. "كان عمري أربعة عشر عاماً عندما أتيت إلى هنا. في عالمي، كنت راقصة باليه. حلمت بأن أصبح راقصة محترفة." صوتها كان هادئا. "كانت لدي عائلة احبها. أصدقاء. مستقبل مشرق." توقفت، وللحظة، رأى كايتو شيئاً يتحطم في عينيها. "ثم جاء الحادث." لم يتحدث أحد، ينتظر أن تستمر. "كنت أعود من التدريب المتأخر. زقاق مظلم، طريق مختصر كنت امشي فيه مئة مرة من قبل. لكن تلك الليلة..." يداها ترتعش. "كان هناك رجل. حاول... حاول أن يؤذيني." ليلي وضعت يدها على فمها. "قاتلت. قاتلت بأقصى ما أستطيع. لكنه كان أقوى. في تلك اللحظة من اليأس، الرعب، الغضب... شعرت بشيء يستيقظ بداخلي. برودة. ظلام. قوة. ظهر سكين بنفس حجم الخنجر ان لم يكن خنجر من العدم، 'الفجر '. وفي تلك اللحظة، تغيرت. لم أعد فتاة خائفة. كنت... شيئا آخر." "ماذا فعلت؟" سأل براك بهدوء. "قتلته." لم يكن هناك ندم في صوتها، فقط حقيقة باردة وصعبة. "ضربة واحدة. مميتة. وفي نفس اللحظة التي سقط فيها، تمزق العالم حولي. وجدت نفسي هنا." "قدرتك السحرية؟" سألت ليلي. "'القتل الصامت'. يمكنني إخفاء حضوري تماماً، ليس فقط بصريا، بل صوتيا و هالتي، حتى نبضات القلب والتنفس. أصبح كالظل نفسه." نظرت سيرا إلى يديها. "أنا قاتلة مثالية. وهذا ما أصبحت عليه." "سيرا..." قالت ليلي، لكن سيرا هزت رأسها. "لا تشفق علي. ما حدث لي جعلني من أنا. قوية. قادرة. بقيت على قيد الحياة." نظرت إلى كايتو. "في هذا العالم، الضعفاء يموتون. القوة هي كل ما يهم. تذكر ذلك." بدأ صمت طويل على المجموعة. "وكايا؟" سأل كايتو أخيرا، ملتفتا إلى نائبة القائد. "ما هي قصتك؟" ابتسمت كايا ابتسامة حزينة. "قصتي متشابكة مع قصة ريكس. وصلنا معا، في نفس الوقت، من نفس الحادث." "حقا؟" قال كايتو و هو متفاجئ. أومأت كايا. "لكن قصة ريكس... ليس من حقي أن أرويها. يجب أن يخبرك بنفسه، عندما يكون مستعدا." نظرت إلى النار. "كل ما سأقوله هو أن ريكس عانى أكثر منا جميعا. وأن الرجل الذي تراه اليوم، قوي، واثق، قائد، تم تشكيله من ألم لا يمكن تصوره." " و ما هو سلاحك؟" سأل كايتو. "سوطان توأمان، 'العاصفة' و'الرعد'. وقدرتي هي التحكم بالكهرباء. لكن مثل ليلي، مثل براك، لم أهزم ظلي. ولا أعتقد أنني سأفعل." "لماذا؟" "لأن المنزل الحقيقي ليس مكانا يا كايتو. إنه الناس. والمرشدين و هذا الفريق و ريكس... هم منزلي الان." نظر كايتو حول الدائرة. "شكراً لكم" قال بصدق. "لمشاركة قصصكم معي." ابتسمت ليلي بحب و هي تشعر بشعور غريب بداخلها عندما تنظر الى كايتو، مرحها عاد. "الآن أنت واحد منا رسميا! يجب أن تكون قد شاركت الألم لتكون جزءا من العائلة المختلة!" ضحك الجميع، حتى سيرا ابتسمت قليلاً. لكن في عقل كايتو، بدأت فكرة تتشكل. هؤلاء الناس، الذين كانوا غرباء قبل ثلاثة أشهر فقط، أصبحوا شيئاً أكثر. عائلة، كما قالت ليلي. وللمرة الأولى، بدأ يتساءل: هل أريد حقاً العودة؟ أم أن هناك شيئاً يستحق البقاء من أجله هنا؟ لكن الأقدار كانت لها خطط أخرى. وقريباً، ستختبر تلك الروابط من العائلة بطرق لم يتخيلها أحد. العاصفة كانت تتجمع. والظلام القادم سيكون أكثر رعباً مما يمكن لأي منهم أن يستعد له.