الفصل 61
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
↓
لامست عجلات الطائرة أرض الوطن، فاهتزّ شيءٌ في داخله… شيء كان نائمًا منذ سنوات.
وحين فُتح الباب، ولفحه نسيم البلاد، أغمض عينيه لثوانٍ طويلة… كأن هذا الهواء وحده يكفي ليغسل عنه تعب الغربة، ويعيده إلى نسخته الأولى.
نزل بخطوات ثابتة، لكن قلبه كان يركض أمامه، يدقّ طبول الشوق بشراسة.
في صالة الوصول، اختلطت الأصوات والوجوه والنداءات، لكن عينيه كانتا تبحثان عن وجهٍ واحد فقط.
وحين وجده…
انقطعت الأفكار.
كان راكان واقفًا هناك. ملامحه أشد صلابة، وكتفاه أعرض، لكن عينيه… ما زالتا تحملان ذلك الدفء الذي يعرفه.
ابتسم.
ترك حقيبته للحظة، وانطلق نحوه. التقيا في منتصف المسافة، وتعانقا عناقًا طويلًا، صامتًا، كأن كل السنوات الماضية ذابت بين صدريهما في لحظة واحدة.
قال راكان وهو يربت على ظهره بقوة: — نورت السعودية بوجودك.
ضحك زكريا، وصوته اختلط بالاختناق: — بنورك يا الغالي…، شقد اشتقت لك يا راكان وأنا أخوك.
حمل راكان الحقائب ووضعها في الصندوق، ثم ركبا السيارة. انطلقت بهدوء خارج المطار، والمدينة تمرّ من حولهما بملامح مألوفة… وغريبة في آنٍ واحد.
ساد صمت قصير.
كان كلٌّ منهما يختلس النظر إلى الآخر، كأنهما يقيسان أثر الزمن.
قطع راكان الصمت: — كيف باريس معك؟ مشت أمورك مثل ما كنت مخطط؟
تنهد زكريا: — مشت… ويمكن أكثر. بس الغربة تبقى غربة مهما نجحت فيها.
نظر إليه راكان سريعًا: — رجعت نهائي؟ ولا إجازة؟
التفت نحوه بنظرة عميقة: — هالمرة غير… رجعت أستقر. مع أهلي… مع أمي.
قبض راكان على المقود قليلًا. — استقرار فجأة؟ وش اللي تغيّر؟
ابتسم زكريا ابتسامة باهتة: — الواحد يكبر… ويعرف وين مكانه الصح. وأهمهم… الشوق اللي خلاني أرجع.
سكت راكان لحظة.
ثم قال بهدوءٍ ثقيل: — ما كان لازم تجي.
التفت إليه باستغراب: — ليه؟ وش صاير؟
لم يجب فورًا. ازدادت سرعة أنفاسه قليلًا. عينيه لم تترك الطريق.
— مو الحين.
توتر صوت زكريا: — أقلك احكي وش صاير. ماني رايق لصبر.
توقف راكان فجأة على جانب الطريق. ساد صمتٌ خانق.
أطفأ المحرك.
استدار إليه ببطء، ومد يده يمسك كتفه، كأنه يثبّت شيئًا سينهار.
تنفس بعمق… ثم قال بصوت منخفض:
— إنّا لله وإنّا إليه راجعون…
خفض زكريا رأسه قليلًا، كأنه لم يستوعب بعد.
ثم أتت الجملة… كسيفٍ بارد:
— خسرنا عمي إبراهيم.
— عمي إبراهيم توفا.
تجمّد.
لم يتحرك. لم يرمش.
العالم كله توقف عند تلك اللحظة.
فتح فمه، لكن الكلمات خانته: — و… وش… تقول…؟
قال راكان بصوت يحاول فيه التماسك : — زكريا…
وقبل أن يكمل، انفجر صراخه:
— الحين؟!
الحين تقول لي؟!
خذني للبيت… الحين! أبوي إبراهيم… الحين!
حاول راكان تهدئته: — خلك معي…
قاطعه بعنف، وعيناه تشتعلان: — راكان لا تخليني أجن… ودّني الحين!
أومأ راكان بصمت، وأعاد تشغيل السيارة. انطلقت بسرعة، والمدينة أصبحت خطوطًا باهتة خلف الزجاج.
أما زكريا…
فشحب وجهه تمامًا.
أنزل رأسه بين يديه، وأصابعه تغرس في شعره، وكأن الألم شيء ملموس يحاول نزعه.
انحدرت دموعه بحرقة، دون صوت.
همس بصوت مكسور: — كنت ناوي أول ما أوصل أروح له… أقول له إني رجعت… أقول له ما عاد فيه سفر…
كنت أبي أبوس يده واقوله يبة رجعت أخيرا بعد سنين.
ابتلع غصته.
— وعدته أرجع… وعدته.
قال راكان بخفوت: — ما كنت أبي أزعجك… ولا أبي أقول لك وأنت هناك… حاولنا نتواصل معك، بس ظروفك…
لم يجب زكريا.
فقط كان يتنفس بصعوبة… كأن الهواء أصبح أثقل من صدره.
أضاف راكان: — واجهنا مشاكل الفترة الأخيرة… كان فيه ضغط كبير عليه.
والأسوأ… إنه …
سادت السيارة بلحظة صمت ثقيل… ثقيل لدرجة أن أنفاسهما كانت تُسمع بوضوح.
ظنّ زكريا أن الصدمة بلغت أقصاها.
لكن راكان لم يكن قد انتهى بعد.
شدّ على المقود، وكأن الكلمات القادمة تخونه.
— وفيه شيء ثاني…
لم يرفع زكريا رأسه. صوته خرج متعبًا: — وش بعد وش الأسوء من هاذا …؟
ابتلع راكان ريقه، ثم قالها دفعة واحدة، كأنه ينتزعها من صدره:
— سديم… انخطفت.
في تلك الثانية، لم يتجمّد زكريا.
انفجر.
رفع رأسه بعنف، عيناه اتسعتا بشكل مخيف، كأن الدم اندفع فجأة إلى وجهه.
— وش قلت؟!
كان صوته أقرب إلى الزئير.
— عيد… عيد وش قلت؟!
حاول راكان أن يتكلم، لكن زكريا أمسكه من ياقة قميصه بقوة، حتى انحرف المقود قليلًا.
— سديم؟!
سديم مين؟!
أختي سديم؟!
— زكريا اهدأ… بنموت لو مسكتني كذا.
ضرب بقبضته لوحة السيارة بقوة حتى ارتجّ صوته داخلها.
— وين كنتوا؟! وين الحراس وينكم لما إنخطفت!.
كان صدره يعلو ويهبط بعنف، كأنه يقاتل الهواء نفسه.
— متى؟! متى صار هالكلام؟!
قال راكان ببرود.ولكن بصوت عالي : — خلاااااااص.. إهدا... أسكت.
اتسعت عينا زكريا أكثر، وكأن عقله يرفض الاستيعاب.
انقطع صوته.
مرر يده على وجهه بعنف، ثم ضرب الزجاج بقبضته حتى اهتز.
عيناه اشتعلتا، وملامحه تحولت إلى شيء لم يره راكان من قبل.
— ودّني القصر.
الحين.
— بنروح نحنا بطريق.
صرخ بأعلى صوته:
— الحين يا راكان!
ودّني القصر الحين!
ضغط راكان على دواسة الوقود بقوة، فانطلقت السيارة بسرعة جنونية.
زكريا كان يتنفس كأنه يختنق.:
— سديم
— يبة.
صوته انكسر فجأة.
أمسك راكان كتفه بقوة وهو يقود: — بنلقاها. أقسم لك بنلقاها. بس لازم تكون ثابت… لازم تكون قوي.كلنا منهارين مو انت بس كلهم بحاجتك الحين.
نظر إليه زكريا ببطء.
أسند رأسه إلى النافذة، وأغمض عينيه بقوة، وكأن الذكريات تهاجمه بلا رحمة… ضحكتهما، صوتهما، يده التي كانت تربت على كتفه وهو صغير.
همس، كأنما يخاطبه: — سامحني يا أبوي…
كانت السيارة تمضي نحو البيت…
لكنه شعر أن المسافة أطول من كل سنوات غربته.