الفصل 60
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
↓
أسند ظهره إلى مقعد الطائرة، وأرخى رأسه قليلًا، بينما كانت عيناه معلّقتين بالسحاب المتكدّس خلف النافذة. الغيوم بدت كبحرٍ أبيض لا نهاية له، ساكنًا في ظاهره، عميقًا في داخله… تمامًا كذكرياته التي بدأت تتسرّب إليه بهدوء.
عاد به الزمن إلى ذلك اليوم.
كانت الشمس تملأ فناء البيت دفئًا، والضحكات الصغيرة تتناثر في الهواء. كانت تركض خلفه وهي تلهث، ضفائرها تتطاير خلفها، وصوتها يعلو باحتجاجٍ طفولي:
— وقف! إنت غشاش! بعلم بابا… إنت بديت قبل ما أركض! ما راح ألعب معك يا غشاش… راح ألعب مع عزوز أحسن!
توقّف والتفت إليها، يضحك ملء قلبه، ثم عاد يركض أمامها، وهي تتبعه بخطواتٍ قصيرة مسرعة حتى اتجهت نحو الداخل وهي تصرخ:
— بابا! بابا!
كان إبراهيم جالسًا على مكتبه، ملفٌ مفتوح أمامه، لكنه ما إن سمع صوتها حتى رفع رأسه، وابتسامة واسعة ارتسمت على وجهه. فتح ذراعيه دون تردد، فزادت سرعتها، وارتمت بينهما.
التقطها بحنان، ورفعها قليلًا، ثم قبّل جبينها.
— عيون بابا أنا… وش صاير يا سديم؟
نظرت إليه بعينين واسعتين مليئتين بالبراءة، وقالت بدلال:
— ما راح ألعب مع زكريا… لأنه غشاش!
رفع زكريا حاجبه بسخرية وهو يقف أمامهما:
— من وين صرتِ تناديني زكريا يا دلّوعة؟
عقدت حاجبيها بغضب طفولي:
— راح أقول لك زكريا لأنك غشاش! وبألعب مع عزوز أحسن منك!
ابتسم إبراهيم بهدوء الأب الذي يعرف خفايا القلوب، وقال:
— عزيز نايم الحين يا بابا… العبي مع أخوك زكريا، وهالمرة راح تفوزين عليه، صح؟
هزّت رأسها بعناد:
— مستحيل!
تخصّر زكريا بتصنّع غضب وقال:
— خلاص! ما راح أنام جنبك الليلة يا الخوّافة، ولا أنا ولا عزيز بنمسك يدك… وبتنامين لحالك!
واستدار كأنه ذاهب حقًا.
تجمّدت مكانها لحظة، كأن التهديد أصاب قلبها الصغير مباشرة، ثم ركضت خلفه تصرخ:
— زاااكييييي! لااا! خلاص بلعب معك… بس تنام جنبي… أنا أخاف!
توقّف، واستدار بابتسامة منتصرة، فما كان منها إلا أن اندفعت نحوه تحتضنه بقوة.
ضحك.
ومن بعيد، كان إبراهيم يراقبهما بعينين مملوءتين حبًا ورضًا.
في تلك اللحظة، نزل عزيز من الدرج وهو يفرك عينيه بنعاس، وقال بصوتٍ مبحوح:
— هااا… مين يلعب كورة معي؟
صرخت سديم بفرحٍ مفاجئ، وتركت زكريا تركض نحوه:
— أناااا!
امتلأ المكان بالحركة والضحك، وامتلأ قلبه آنذاك بشيءٍ لم يكن يعرف اسمه… لكنه اليوم يعرفه جيدًا.
العائلة.
ابتسم في مقعده، وعاد من ذكرياته إلى السحاب الممتد أمامه. ذلك الحنين الذي كان يسكن صدره لم يكن مجرد شوقٍ لأشخاص… بل شوقٌ لزمنٍ كامل، لدفء بيتٍ احتضنه، ولرجلٍ لم يكن والده بالدم، لكنه كان أباه بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
إبراهيم… أو أبوه الثاني، الذي ربّاه بيديه، هو وزوجته — رحمها الله — وجمعهم تحت سقفٍ واحد كأنهم قلبٌ واحد.
اشتاق لإخوته: سديم بعنادها وضحكتها، عبدالعزيز بصمته العميق، أفنان بحنانها، واشتاق لوالدته التي لم يراها منذ زمن … لصديقه راكان.
اشتاق للوطن.
اشتاق للأرض التي نشأ فوقها، وللسماء التي كان يعرف شكلها حين يغضب المطر أو يبتسم الفجر.
تنفّس بعمق.