انتقام ناعم ( زواج مصالح ) - الفصل الثالث والثلاثين - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: انتقام ناعم ( زواج مصالح )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثالث والثلاثين

الفصل الثالث والثلاثين

وصلت القوافل لموقع المشروع في أطراف المدينة، المكان اللي ملامحه بتقول إن "هنا هيتكتب تاريخ جديد". الأرض كانت واسعة جداً، أرض فضاء ممتدة كأنها صفحة بيضاء مستنية أول سطر يتمسمر فيها. كان الجو فيه نسيم خفيف بيطير خصلات شعر رزان، وأصوات المدينة بعيدة جداً كأنها وشوشة، والهدوء بيقطعه بس صوت عربية بتعدي على الطريق الرئيسي من وقت للتاني. المكان كان فيه "هياكل" قديمة، بقايا مباني صناعية مهجورة، جدرانها شايلة حكايات قديمة لكن النهاردة مراد ناوي يخليها جزء من المستقبل. الأرض كانت خليط بين خرسانة قديمة مشققة وبين أعشاب برية منخفضة، وفي الزوايا كانت بتظهر طيور بتطير وأثر لقطط بتتحرك بحذر، وكأنهم السكان الحاليين للمكان قبل ما التكنولوجيا تحتله. أعمدة الكهرباء كانت واقفة بعيد زي الحراس المهجورين، وأسوار منخفضة مهترئة بتحدد ملامح الأرض، مع بقايا أسفلت قديم لممرات داخلية كانت بتستخدم زمان. نزل مراد من عربيته بكل هيبة، وجنبه مروان اللي عينه بتلمع بتحدي، وسامر اللي بيبص للمكان بنظرة هندسية بحتة، ورزان اللي كانت ماسكة "البلان" في إيدها وبتبص للفراغ كأنها بتحاول تستوعب التغيير اللي ممكن يحدث. في اللحظة دي، وصلت عربيات بلال. نزل "بلال" بابتسامته المستفزة المعتادة، ووراه طقم المساعدين بتوعه، ومن وسطهم ظهرت "منة" بطلتها الرسمية الهادية، وعينيها جت في عين رزان لثانية واحدة كانت كفيلة تخلي الجو يتكهرب رغم برودة النسيم. وقف الفريقين في منتصف الأرض الفارغة، المسافة بينهم كانت خطوات، لكن في الحقيقة كان بينهم صراع "كسر عضم". مراد حط إيده في جيبه وبص لبلال ببرود غريب، وشاور بعينه على الهياكل المهجورة وقال بصوته الرخيم "أهي دي الأرض يا مستر بلال.. صفحة بيضاء زي ما قولتلك. بس المهم مين اللي خطه أوضح، ومين اللي هيفضل مكمل للآخر لما العفرة تبدأ." بلال ضحك ضحكة صفرا وبص حواليه وهو بيعدل نضارته "الأرض واسعة يا مستر مراد، وتشيل كتير.. بس إنت عارف إن المساحات دي بتحتاج نَفَس طويل، وأنا نفسي أطول مما تتخيل." مروان همس لسامر وهو عينه على بلال "شايف الثقة؟ ده ناقص يقولنا إنه هو اللي باني الأسوار دي." رزان بدأت تتحرك في المكان، بتعاين بقايا الأنابيب والأسلاك اللي خارجة من الأرض عشان تتأكد من أساسات البنية التحتية، ومنة قربت منها بهدوء وقفت جنبها وقالت بنبرة عملية بحتة "التربة هنا محتاجة شغل كتير يا باشمهندسة، والمباني القديمة دي غالباً هتتهد بالكامل لو حبينا نعمل غرفة التحكم في المركز." رزان بصت لها بابتسامة ثقة وردت بهدوء "الهدم سهل يا منة.. الصعب هو إنك تبني حاجة تعيش وتستحمل، وإحنا هنا مش عشان نهد، إحنا هنا عشان نطور اللي غيرنا سابه مهجور." الموقف كان مهيب، الفريقين واقفين وسط الخلاء، الهوا بيخبط فيهم، وبقايا الأسلاك والأنابيب تحت رجليهم كأنها لغم مستني اللي يدوس عليه غلط. ______ بدأ الشغل بجد في الموقع، المعدات بدأت تدخل وتتحرك على الأرض الخرسانية القديمة، صوت "البلدوزرات" وهي بتشيل بقايا الأسوار المتهالكة كان بيعمل صدى في المكان اللي كان بقاله سنين ميت. العمال بدأوا ينضفوا المساحات، والتراب كان بيطلع في السما كأنه غبار المعركة. مراد كان واقف في وسط الأرض، لابس خوذة الحماية، وبيراقب كل حركة وكل طوبة بتتشال. الجو كان مليان ريحة حديد مصدي وتراب، وأعمدة الكهرباء اللي كانت واقفة زي الشجر الميت بدأت تتشال عشان تتمد خطوط جديدة. مراد لف بعينه، لقى رزان قاعدة على "طاولة خشبية" متهالكة في أحد المباني الصغيرة اللي بيستخدموها كمكتب مبدئي، كانت فاتحة الخرائط وبتراجع كل تفصيلة بعين مهتمة جداً وبتركيز عالي، مش سايبة فتفوتة تعدي منها. اتطمن لما شافها غرقانة في الشغل، وبعدين موبايله رن.. بص في الشاشة، كان رقم الراجل اللي مكلفه يدور ورا "مهدي". اتحرك مراد بعيد عن دوشة العمال، ووقف في ركن هادي ورا هيكل مبنى قديم، ورد بصوت واطي وحازم "أيوة.. وصلت لإيه؟" صوت الراجل كان مضطرب، وبدأ يهمس بسرعة "باشا.. الموضوع طلع أكبر بكتير مما كنا متخيلين. أنا دورت ورا بلاغات الاختفاء القديمة، وجمعت خيوط ماكنتش متوقعها.. فيه جماعة مقدمين بلاغات عن ناس من عائلاتهم اختفوا، وبالمصادفة، كلهم كان ليهم علاقة بـ 'مهدي'.. كلهم اتقابلوا معاه قبل ما يتبخروا من الوجود!" مراد ضيق عينيه، وعروقه بدأت تبرز "يعني إيه اتقابلوا معاه؟ قصدك إن مهدي هو القاسم المشترك؟" الراجل كمل بخوف "بالظبط يا باشا. زي الراجل اللي اختفى من مدة والكل قال إنه سافر بره.. طلع كان ليه تصفية حسابات مع مهدي قبلها بفترة . الموضوع مش مجرد صدف، دي شبكة كاملة.. صالات قمار تحت الأرض، تبييض أموال، والناس اللي بتختفي دي غالباً فقراء مالهمش ضهر، يعني الشرطة مش هتتعب نفسها تدور عليهم، والكل بيفتكرهم سافروا أو هربوا." مراد سكت لحظة، قلبه بدأ يدق بعنف "ومين اللي ورا ده كله؟ مهدي مجرد واجهة.. " الراجل رد بصوت مرعوب "مش عارف.. بس الأكيد إن الموضوع فيه 'حاجة كبيرة'، ومهدي ده مجرد ترس صغير. نصيحتي ليك يا مراد بيه.. اسحب نفسك فوراً. لو عرفوا إن فيه حد بيحقق وراهم، مش هيسيبوه.. أنت دلوقتي بقيت في خطر، ومش أنت لوحدك.. أي حد حواليك ممكن يكون هدف." مراد اتجمد في مكانه، وشريط ذكرياته رجع لورا للحظة.. "حادث العربية" اللي كان هيوديه هو ورزان في داهية.. صرخة العجل، ونظرة الرعب في عين رزان. كل حاجة اتربطت ببعضها في ثانية. "اقفل دلوقتي.." قالها مراد بصوت مخنوق من الغضب والقلق، وقفل المكالمة. وقف مراد باصص للفراغ، إيديه مشدودة لدرجة إن مفاصل صوابعه بيضت. نسيم الهوا البارد اللي كان بيخبط في وشه مكنش كفاية يبرد النار اللي ولعت في دماغه. كان بيحاول يربط الخيوط ببعضها، لكن كل خيط كان بيسحب وراه بلاوي أكتر. فضل يهمس لنفسه بصوت مبحوح وهو بيبص ناحية المباني المهجورة اللي حواليه "لو فرضا.. لو فعلاً سافروا زي ما بيقولوا، طيب سافروا إزاي؟ السفر ده محتاج فيزا، ورق، وتذاكر، وفلوس.. والناس اللي بيدوروا عليهم دول كانوا على قد حالهم، مش معاهم فيزا ولا تمن تذكرة طيارة! ومستحيل يخرجوا من البلد من غير أثر." عقله بدأ يحلل السيناريوهات الأسود "طب ليه.. ليه مفيش حد منهم طمن أهله؟ حتى لو سافروا عشان يهربوا من فقرهم، مش معقول يقطعوا عرقهم خالص! إلا لو.. إلا لو ماكانش في أيديهم اختيار أصلاً." قلبه دق بعنف لما فكر في الاحتمال اللي كان بيحاول يهرب منه "أو ممكن يكونوا.. اتقتلوا؟ زي مهدي؟ طيب ليه مهدي بالذات اللي لقوا جثته؟ وليه هما لا؟ هل مهدي كان هو 'الضحية' اللي كان مقصود يتكشف؟ ولا هو اللي كان 'الطُعم' عشان يداروا بيه على اللي قبلهم؟" حس ببرودة تسري في جسمه، كأن حد سكب عليه تلج. لو مهدي اتقتل، فده معناه إن الجاني مش خايف من البوليس، أو إنه واثق إن الجريمة هتتقيد ضد مجهول، أو إن جثة مهدي نفسها كانت "رسالة". "جثة مهدي لقوها.. وهما اختفوا." الجملة دي رنت في ودنه زي الجرس المزعج. مهدي كان "الطرف الضعيف" اللي تم التخلص منه عشان يتقفل ملف، لكن الباقيين؟ _______ مراد لسه مخلصش أفكاره، بص بطرف عينه ناحية "بلال" اللي كان واقف بعيد بيشاور لرجالة معاه، والابتسامة السامة لسه على وشه. مراد حس ببركان بيغلي جواه.. لو فعلاً بلال هو اللي ورا حادثة العربية، يبقى هو يا إما "الرجل الكبير" بذاته، يا إما ذراعه اليمين اللي بينفذ القذارة. عيون مراد كانت نظرة "صقر" بيمسح الفريسة قبل ما ينقض عليها، نظرة فيها وعيد وغل ميتوصفش . لف بسرعة ناحية المكان اللي كانت فيه رزان، لقى الطاولة فاضية! الخرايط موجودة، بس هي مش هناك. قلبه وقع في رجليه، اتحرك بلهفة وش وشه اتغير لدرجة إن "سامر" لاحظ فوراً. سامر سأله "في إيه يا مراد؟ وشك اتغير ليه؟" مراد مردش، صوته كان طالع مخنوق "رزان فين؟ شفتها فين يا سامر؟" سامر بصله باستغراب "مخدتش بالي، أكيد بتلف في الموقع كعادتها." مروان قرب هو كمان "مش موجودة يا مراد هنا ، يمكن راحت تمشي في المكان ماتقلقش بقى ..." مراد طلع موبايله وإيده بترتعش، اتصل.. مفيش رد. اتصل تاني.. "عذراً، الهاتف مغلق أو خارج نطاق التغطية". التوتر وصل لأقصى درجاته، ملامح مراد بقت حادة كأنها منحوتة من صخر، وعينه بتدور في كل شبر بحذر مرعب. سامر لمس كتفه "اهدى يا صاحبي، أكيد في مكان قريب، الموقع واسع بس هي مش هتبعد." لكن نظرة مراد كانت بتقول حاجة تانية.. نظرة مراد كانت شايلة رعب "الرجل الكبير" اللي لسه سامع عنه في المكالمة. سامر فجأة ركز في عيون مراد، وذاكرته رجعت لكلام مراد عن الحوادث الغامضة، همس سامر لنفسه بصدمة: "يا نهار.. يعني ...مستحيل ..." مراد بص لبلال نظرة طويلة وغير مفهومة، نظرة خلت بلال -رغم ثباته- يتردد للحظة ويتوتر، وكأنه حس إن مراد "شاف" اللي جواه، أو عرف سر اللعبة. انقسموا وبدأوا يدوروا وينادوا "رزان! رزان!" مراد كان بيجري في الأرض، بيمسح المكان بعينيه، قلبه بيتحرق. "يا رب.. يا رب تكون في مكان بعيد عن أيديهم"، كان بيفكر في كل سيناريو أسود. وفجأة، بلال ظهر قدامه وقطع طريقه ببرود مستفز "بتدور على حاجة يا مراد؟ مراتك أكيد رجعت ناحية باركينج العربيات، يمكن زهقت من التراب." مراد مسمحش له يكمل، هجم عليه زي الأسد، مسكه من قميصه بقوة لدرجة إن بلال اتخبط في الحيطة اللي وراه. مراد صرخ في وشه وصوته كان زلزال "أنا مش هسألك هي فين، أنا هقولك! لو مراتي حصلها حاجة ، أو لو ليّك إيد في غيابها زي ما كان ليك إيد في حادثة العربية، قسماً بالله يا بلال هتكون نهايتك على إيدي، وهدفنك في الأرض اللي بنحاول نبنيها دي!" بلال ملامحه اتغيرت، عينيه وسعت من الصدمة "إنت.. إنت بتقول إيه؟ حادثة إيه؟ أنا معرفش عنها حاجة!" مراد زقه بقوة ودفعه بعيد عنه وكأنه قرفان منه، وكمل جري وهو بينادي بأعلى صوته. بلال وقف مكانه مرتبك، إيديه كانت بترتعش شوية. كان بيفكر في سر عقله 'معقولة الرجل الكبير عمل كدة من ورايا؟ ولا مراد بيحاول يستدرجني؟' بس برضه، بلال حس بخطر، وبدأ يدور على رزان هو كمان.. _______ مراد كان بيجري في الموقع زي المجنون، قلبه بيدق في ودانه كأنه طبول حرب، وصوته وهو بينادي "رزان" كان فيه كسرة ورعب ملوش وصف. فجأة، ومن وسط "هيكل" لمبنى قديم على أطراف الأرض، سمع صوت رقيق بينادي عليه باستغراب "مراد؟ " لف مراد بسرعة البرق، لقى رزان واقفة هناك، شعرها بيطير مع الهوا، وعلى وشها ابتسامة دهشة وهي ماسكة بين إيديها قطة صغيرة بتلعب بيها، وكأنها في عالم تاني خالص بعيد عن التوتر والحروب اللي دايرة حولها. نظرات مراد اتحولت من الخوف الشديد لـ "صدمة" ممزوجة بـ "غضب" من نفسه ومن اللي حاس بيه. متمالكش أعصابه، ساب كل حاجة وجري عليها بخطوات واسعة، ومرة واحدة ضمها لحضنه بقوة مرعبة، حضن كان فيه كل الخوف اللي عاشه في الدقائق اللي فاتت. القطة اتخضت وقفزت من إيد رزان وجريت، ورزان انتفضت بدهشة مش فاهمة إيه اللي حصل وليه مراد حاضنها كأنها كانت ضايعة منه سنين. حست بمراد وهو بيرتعش، صدره بيطلع وينزل بصعوبة، وسمعت أنفاسه المكتومة.. همست بصوت ناعم يحاول يفهم "مراد؟ في إيه يا حبيبي؟ " في اللحظة دي، بلال كان واقف على بعد خطوات، قلبه كان بيوقف من كتر الجري والخوف من إن يكون الراجل الكبير قرر يعمل حاجة من وراه وهو اللي سبق وحاول يبعدها عن الخطر قدر الامكان . لما لمحهم واقفين مع بعض، وقف مكانه، يتفرج على المنظر، ومشاعر غريبة اتسحبت لقلبه.. خوفه اللي كان بيتحرك بيه اتحول لحزن عميق وغريب، حزن مش بس غيرة على رزان . لأ، ده كان حزن على حاجة هو ميعرفش يوصلها، حاجة هو خسرها من زمان.. الحنان والاحتواء اللي شايفهم في حضن مراد ورزان ... مراد كان لسه دافن وشه في رقبتها، مش قادر يتكلم، كان بيستمد منها الأمان عشان يطمن إنها حقيقية ومش خيال. رزان بدأت ترفع إيديها ببطء وتمسح على شعره بخوف "مراد.. كلمني، إنت قلقتني عليك.. إنت بتترعش؟" مراد بعد عنها ببطء، وبص في عينيها بنظرة غامضة، نظرة فيها عتاب وحب ورعب، وقال بصوت خافت "كنت فاكر.. كنت فاكر إني خسرتك يا رزان." رزان ضحكت بحيرة ومسحت الدمعة اللي كانت بدأت تنزل من عينه "خسرتني ؟! أنا هنا يا حبيبي، مروحتش في حتة.. ليه كل الخوف ده؟" بلال كان واقف بعيد، شاف المشهد، وغمض عينيه بضيق وهو بيحاول يستجمع قوته تاني. هو كمان كان خايف، خايف يكون "الرجل الكبير" قرر يتخلص من رزان عشان يضغط على مراد، والرجفة اللي شافها في إيد مراد أكدت له إن مراد اكتشف إن فيه "لعبة" كبيرة بتتلعب. _____ رزان كانت بتراقب ملامح مراد اللي بدأت تهدا، بس نظراته اللي كانت مليانة رعب لسه مأثرة فيها، مسكت إيديه وقالت بنبرة فيها إصرار "مراد.. إنت قولت 'خسرتك'، هو إنت بتقصد إيه؟ إيه اللي خلاك تترعب كدة؟ أنا كنت هنا بتمشى عادي." مراد خد نفس عميق وحاول يهرب من أسئلتها اللي بتكشف المستور، بص للقطة اللي كانت واقفة جنبهم بتبص لهم بفضول، فلقاها فرصة يغير مجرى الكلام "لا أبداً.. أنا بس اتخضيت، المكان هنا مش أمان، مليان حفر وخرسانة مكسرة، وأنا قلقت عليكي لما مالقتكيش قدامي." رزان ابتسمت برقة وقالت وهي بتشاور على القطة "ما أنا شوفتها وهي بتجري ، خفت عليها هي من الحفر دي، قلت ألحقها قبل ما تقع في مكان عميق.. المكان فعلاً خطير عليها." كلمة "خطير" رنت في ودان مراد زي جرس إنذار.. فكر بمرارة: 'خطير عليها؟ ده المكان ده خطر على حياتك إنتي يا رزان.. خطر على كل حاجة بتمثل لي الأمان في الدنيا.' مسك إيد رزان بقوة وكأنه بيثبتها في الأرض عشان يضمن إنها موجودة فعلاً، وقال بنبرة حازمة عشان ينهي الحوار "خلاص يا قلبي ، القطة أهي سابتنا ومشيّت.. خلينا نرجع للبقية ..." وهم ماشيين ناحية مكان التجمع، مروان وسامر كانوا واقفين بيدوروا، وأول ما لمحوا رزان، سامر تنهد براحة ومروان قرب منهم يفك الجو بضحكته المعهودة بعد ما طمن انه كله تمام "يا مرات اخويا ده إحنا كنا هنعلن حالة الطوارئ! أول مرة أشوف 'مراد باشا' بيفقد أعصابه كدة، ده كان بيجري في الموقع كأنه بيطارد إرهابي دولي، أثرتي فينا يا رزان، جوزك الرزين ده طلع بيحبك حب جنوني!" مراد بصله بحدة وقال بجدية "خلاص يا مروان، كفاية كلام في الموضوع ده، خلينا نركز في الشغل، إحنا هنا عشان نخلص." رزان سكتت، بس عينيها كانت بتراقب مراد، حست إن فيه "حاجة" مستخبية، نظراته اللي بتبص ورا ضهره، وتوتره اللي مش مبرر بقطة، خلوها تحس إن فيه خطر هي مش شايفاه. فجأة، ظهر بلال من ورا كومة خرسانة، كان واقف بثبات غريب، بيبص عليهم بهدوء وكأن مفيش حاجة حصلت، وكأن مش هو اللي كان لسه بيدور عليها بقلق من دقايق. مراد رفع عينه، واتقابلت نظراته بنظرات بلال.. نظرة طويلة، باردة، حادة زي السكاكين. نظرة مراد كانت بتقول: "أنا عارف إنك ورا الموضوع، ومش غافل عنك"، ونظرة بلال كانت مليانة تحدي وبرود أعصاب، وكأنه بيتحداه يثبت عليه حاجة. فضلوا باصين لبعض ثواني طويلة، الهوا اللي حواليهم كان مشحون بكهرباء التوتر، لحد ما مراد اتجاهله تماماً ولف وشه لسامر وقال "سامر، كملوا تفتيش في المنطقة الشرقية، أنا هروح أراجع مخططات البنية التحتية مع رزان." بدأ العمل تاني، المعدات اشتغلت، والعمال رجعوا لمكانهم، بس الجو كان اتغير.. مراد بقى أكتر حذر، وبلال بقى يراقب من بعيد، ورزان وسطهم حاسة إنها ماشية في حقل ألغام، مش عارفة إيه اللي بيحصل حواليها، بس متأكدة إن مراد بيداري سر كبير. ____ المكان كان هادي بشكل مريب، بعيد عن دوشة المعدات اللي كانت شغالة في الناحية التانية. بلال كان واقف في ركن قصي، باصص للفراغ، إيديه في جيوبه، ملامحه هادية لدرجة توتر اللي يبص له . فجأة، قطع الصمت صوت مراد الواثق والقوي اللي جه من وراه "هتتكلم.. ولا هتفضل تقول إنك مش عارف زي من شوية؟" بلال متهزش، ولا حتى اتلفت، فمراد تقدم بخطوات تقيلة وواثقة، ووقف قدام بلال مباشرة، في مواجهة مباشرة وش لوش. بلال رفع عينه ببرود مصطنع وقال "أنا مش فاهم إنت بتلمح لإيه يا مستر مراد، الحوادث بتحصل، والمشاكل في المواقع دي شيء عادي.. متكبرش الموضوع." مراد ضحك ضحكة ساخرة، ضحكة مليانة مرارة ووعيد، وبص لبلال بنظرة كشفت جبنه "يا راجل؟ حادثة عادية؟ إنت فاكرني غبي؟ أنا عارف إنك بتترعش من اللي وراك، وعارف إنك أجبن من إنك تعترف بأي حاجة، بس صدقني.. أنا هخليك تعترف، وهجيبك يعني هجيبك، والورق اللي في إيدي مش هيرحمك." بلال اتعدل في وقفته، قرب من مراد بهدوء مريب، وهمس بصوت مشفر ومستفز "نصيحة من واحد كان صاحبك زمان.. ابعد عن الموضوع ده، واهتم ببيتك وشغلك أحسن، لأنك لو قربت أكتر.. اللي هيحصل مش هيكون في صالح حد.. خصوصاً الناس اللي بتهمك." مراد عقد حاجبيه، عروق رقبته برزت من الحيرة ، بس قبل ما يرد، بلال ساب مكانه ومشي بخطوات هادية، كأنه رما قنبلة ومستنيها تنفجر. في طريقه وهو خارج من الموقع، بلال التقى ب "رزان" اللي كانت ماشية بتدور على مراد. أول ما شافته، ابتسامتها الودودة اللي كانت على وشها اتبخرت، وملامحها خدت طابع رسمي وقلق. بلال، اللي كان لسه من لحظات بيحاول يستفز مراد، اتغيرت ملامحه تماماً.. بقت ألين بكتير، وعينه بقى فيها نظرة غريبة، وقرب منها خطوة وسأل بصوت واطي "رزان؟ إنتي كويسة؟ سمعت إنك كنتي تايهة في الموقع.. إنتي بخير؟" رزان رجعت لورا خطوة، وحست بتوتر مش عارفة مصدره، ردت باقتضاب "أيوة.. أنا كويسة جداً، شكراً لسؤالك." بلال سكت، وبص في عينيها مباشرة، نظرة غير مفهومة، نظرة فيها مزيج من الحزن والندم، وكأنه بيشوف فيها حاجة تانية خالص.. رزان حست إن جسمها قشعر من النظرة دي، وقلبها دق بقلق، استأذنت بسرعة "بعد إذنك، جوزي مستنيني." بلال فضل واقف مكانه، عيونه متعلقة بطيفها وهي بتبعد، ومحستش رزان إلا وهي بتسرع خطواتها ناحية مراد