الفصل 5: حبر في الظلام
في القصر، لا تُقال الحقيقة دائماً بصوتٍ عالٍ…
أحياناً تُكتب في العتمة، وتُخفى قبل أن يجفّ الحبر.
الصمت في الجناح كان ثقيلاً…
حتى أصوات أنفاسها بدت وكأنها تصدى لقصر كامل.
سمعت الخادمة تكتب شيئاً بخط خافت… الصوت كسّر السكون.
اقتربت من الباب، حاولت أن تسمع دون أن تُكشف.
الورقة تتحرك بين يديها، الحبر يلمع خفيفاً في ضوء الشمعة.
الظرف كان معدّاً لشيء… لكنها لم تعرف ماذا.
ثم دوّى صوت خطوات خارج الجناح.
قلبها قفز، وسرعة نبضها جعلتها تدرك أن أي حركة خاطئة قد تكشفها.
الخادمة لم تنتبه لها… أو ربما كانت تتظاهر بعدم الانتباه.
الجو أصبح مشحوناً… كل شيء حولها يشير إلى أن شيئاً كبيراً على وشك أن يبدأ، لكن لا أحد يعرف متى أو كيف.
اقتربت من الباب ببطء، كل خطوة محسوبة.
الخادمة ما زالت جالسة، وظهرها إليها، تكتب بصمت.
البطلة خذّت نفساً عميقاً، ثم فتحت الباب بحذر.
الرواق مظلم، والظلال الطويلة تتراقص مع الضوء الخافت للمشاعل.
سمعت خطوات بعيدة… يبدو أن الحراس ما زالوا يفتشون الممرات الأخرى.
خطوة خطوة، تحركت إلى الزاوية القريبة من السلم، وعينيها تراقبان كل حركة في الظل.
أخرجت الظرف من جيبها، ألقته سريعاً في حقيبتها الصغيرة، وعرفت أن هذه الرسالة ليست مجرد ورقة… بل مفتاح.
في الأسفل، الساحة شبه فارغة، والهواء البارد ينساب بين الجدران.
أخذت نفساً عميقاً، وعرفت أنها إن خرجت من الجناح… لن تعود الأمور كما كانت.
وما إن وضعت قدمها الأولى على الدرج، حتى أدركت أن هذه الليلة ليست مجرد هروب… بل بداية سلسلة أحداث ستجعل كل شيء حولها… مشوشاً وخطيراً أكثر مما تخيلت.
كانت دجى تتسلّل على الدرج المظلم، خطواتها خافتة، كل حركة محسوبة بعناية.
الهواء البارد ينزل من الطوابق العليا، والظلال الطويلة للجدران الحجرية كأنها تحاول ابتلاعها.
فجأة… سمعت صوت خافت من أحد الممرات الجانبية، خطوة قريبة… لكنها توقفت بسرعة.
تجمّدت. قلبها يركض قبل قدميها.
اقتربت من ركن الدرج، وتحسّست الحافة الحجرية لتتأكد من عدم وجود أي فخ.
ثم، فجأة، رأت ضوء خافت ينعكس على جدار الطابق العلوي، وكأن أحدهم يراقبها .
جسدها متصلب، أنفاسها متسارعة، وكل حركة في الظلال تجعل قلبها يقفز.
في تلك اللحظة، فهمت شيئاً: القصر ليس مجرد حجارة وجدران…
القصر يراقبها، وكل خطوة خاطئة قد تكشفها للعدو… أو للحارس الغامض الذي يتبعها بصمت.
تقدّم بخطوات هادئة على الدرج، كل حركة محسوبة، والضوء الخافت يلعب على ملامحه الغامضة.
وقفت عند زاوية السلم، نظراته تبحث في الظل، ثم لمحها.
قلبها كأنّه سينفجر، عيونها تتبع كل حركة له، لكنها لم تتجرأ على التحرك.
اقترب بخطوات قليلة، فقط لتظهر ملامحه بوضوح، لكن لم يتحدث
صمت ثقيل، لا هو قال شيء… ولا هي تنفست بصوت واضح.
رفع عينيه نحوها للحظة قصيرة، نظرة غامضة، كأنها تحذرها… أو تحاول قراءة ما في قلبها.
ثم، فجأة، ارتفع ضوء خفيف من الأعلى على عينيه…
كانت نظراته حادة، دقيقة، تحمل شيئاً من القوة والسلطة التي لم تشعر بها من قبل.
ارتجفت، لكنها حاولت البقاء ساكنة.
عرفت شيئاً واحداً فقط: هذا الرجل مختلف، قوي… وخطير.
ورغم أنها لم تعرف اسمه بعد، شعرت بشيء غريب: هذه اللحظة ستتغير حياتها من هنا فصاعداً.
الظل الطويل للجدران الحجرية يغطيه، لكن البطلة استطاعت أن تلمح ملامحه الدقيقة في ضوء المشاعل.
اقترب خطوة واحدة فقط نحوها… قلبها كاد يقفز من الصدمة، لكنها بقيت ساكنة، جسدها مضغوط على الجدار البارد.
رفعت عينيها قليلاً لترى وجهه بوضوح… عيناه السوداوان تنظران مباشرة نحو مكان اختبائها.
لكن… لم يتحدث.
لم يبتسم.
لم يكشف أي شيء.
اقترب خطوة أخرى، وارتفع ضوء المشاعل على وجهه… أضافت الظلال على ملامحه هيبة وغموض.
كان قريباً جداً الآن، كأن الهواء حولهما أصبح أثقل، وكل شيء صامت إلا دقات قلبها.
ثم، فجأة، توقف ونظر بعيداً نحو الممر العلوي، وكأن شيئاً آخر جذب انتباهه.
تنفست البطلة ببطء، لا تزال غير مكتشفة، لكنها شعرت أن هذه اللحظة…
ستغيّر كل شيء.
رفعت عينيها نحوه بحذر، تحاول تقدير نواياه، لكنه بقي صامتاً.
أخيراً، همس هو بصوت منخفض، لكنه ثقيل بالمعنى:
"لماذا أنت هنا؟"
ردّت بصوت مرتعش، لكنها محاولة للحفاظ على رباطة جأشها:
"كنت… أبحث عن شيء… ليس أكثر."
ابتسم ابتسامة خفيفة، بلا دفء:
"البحث قد يكون خطراً عليك."
تجمّدت.
"وأنت… من تكون؟"
لم يجب مباشرة. فقط نظر إليها بعينين لا تفارقانها، ثم قال:
"شخص… يهتم بما يحدث هنا."
صمتت، قلبها يدق بسرعة، وعرفت أن هذه المرة… أي خطوة خاطئة قد تكشف كل شيء.