الفصل 39
وصلوا أخيرا بعد طريقٍ طويلٍ أثقلته المسافات و الصمت.. كانت هي طوال الرحلة جالسة إلى جواره بهدوءٍ مريب لا تنظر إليه و لا تتكلم و كأنها انسحبت إلى عالمٍ بعيدٍ لا يستطيع الوصول إليه
كان يقود و السيارة تشق الظلام بينما صدره يضيق أكثر مع كل دقيقة حتى ظن أن الصمت بينهما أشد قسوة من أي شجارٍ دار بينهما سابقا و ما إن توقفت السيارة حتى ترجل مسرعا كأنه يخشى أن تهرب منه هذه اللحظة و اقترب منها ليفتح الباب ثم انحنى ليحملها مرة أخرى كما فعل في الحفل لكنه تفاجأ بأنها لم تقاوم لم تعترض لم تبتعد بل استسلمت له تماما و كأنها سلمت أمرها أخيرا لذلك القلب الذي أتعبها و أتعبته
حملها بين ذراعيه و دخل إلى الداخل بخطوات بطيئة مترددة كأنه يسير فوق أرض هشة يخشى أن تنهار بهما معا
ما إن أنزلها حتى بقي قريبا منها حد الاختناق وقف أمامها مباشرة و ببطء شديد رفع ذراعيه ليعانقها و كأنه يطلب الإذن دون كلمات جذبها نحوه برفق و ثبت رأسها على صدره عند موضع قلبه و كأنه يريدها أن تسمع كل ما عجز عن قوله تكلم بصوت مكسور حزين خافت يحمل بقايا رجلٍ أنهكه الندم
"بدك تتزوجي واحد انتي ما بتحبيه.. بس عشان تقهريني؟"
لم تجب لم تتحرك لم ترفع رأسها حتى كانت ساكنة بين ذراعيه كأنها تتنعم بحضنه هذه المرة و كأنها تخشى أن تضيع منه إن ابتعدت مر وقت طويل من الصمت كان فيه صوتهما الوحيد هو نبض قلبيهما المتسارع و كأنه لا يدري ماذا يقول منذ قليل كان يصرخ بأي كلمة تخرج من فمه دون تفكير.. أما الآن فقد فرغ عقله من كل شيء ولم يبقى فيه سوى خوفه منها و خوفه عليها أخيرا قال و كأن الكلمات تُنتزع من صدره انتزاعا
"أنا يلي بدئت اكرهك سما.. بكرهك و بكره حبي إلك و تعلقي فيكي و اللي بكرهو أكتر إنك مش حاسة فيني و لا راحمتيني"
توقف صوته و اختنق للحظة ثم تابع بصعوبة
"غلطت بعترف و اعتذرت كتير.. كان عندي أمل إنك تسامحيني و هاد الشي كنت منتظره ما كنت منتظر إني اسمع خبر خطوبك من غيري.. كيف طاوعك قلبك؟ من إمتى انتي بهالقسوة؟"
رفعت رأسها أخيرا و عيناها غارقتان في شيءٍ لم يستطع تفسيره وقالت بصوت خافت لكنه ثابت
"انت كنت أقسى مني لما كنت عم اترجاك تتركني و..."
لكن كلمتها لم تكتمل إذ وضع يده على فمها برفق و كأنه لا يحتمل سماع بقية الألم وهمس
"أنا آسف عم العن حالي كل يوم ألف مرة على يلي عملته.. بس على الأقل أنا ندمان انتي مش ندمانة و لا حتى شفقانة علي"
نظرت إليه بثقة مفاجئة و قالت أمام وجهه مباشرة
"انا.. كنت عارفة إنك رح تجي"
تجمد مكانه لم يفهم كيف يمكنها أن تخطب لغيره و تنتظره في الوقت ذاته ظل ينظر إليها و كأنه يرى وجها جديدا لم يعرفه من قبل فقالت و هي تراقب ارتباكه
"شبك ليه هيك عم تطلع فيني مش انت قلت إنها خطة عمو جاسر.. أكيد ما كنت رح اعمل هيك شي من حالي
. أنا بحياتي ما فكرت بزلمة غيرك حتى فكر انخطبله! مين يوسف جنبك؟"
ارتبك و قال بذهول
"شو هالمسخرة"
أجابت بهدوءٍ يحمل مزيجا من العناد و الوجع
"كان لازم انتقم منك لأسامحك"
و فجأة عاد اللون إلى وجهه و كأن الحياة تدفقت في عروقه من جديد فابتسم ابتسامة واسعة لم يعرف طريقها إليه منذ شهور فابتسمت معه و هي تضيف بخفةٍ متعبة
"بس انت ما خليتني كمل انتقامي لسا كان بأوله"
اتسعت ابتسامته أكثر و اقترب بسرعة ليقبلها و كأنه يخشى أن يضيع الوقت مرة أخرى لكنها ابتعدت خطوة إلى الخلف بارتباك و احمر وجهها فقال برجاءٍ طفلٍ وجد لعبته الضائعة
"بوسة وحدة بس"
نظرت إليه لحظة طويلة رأت فيها كل ضعفه و كل حبه و كل ندمه ثم اقتربت ببطء و وضعت كفيها على صدره تشعر بنبض قلبه الذي طالما سكنها و طبعت على فمه تلك القبلة التي كان يتمناها قيس منذ أشهر قبلة أعادت له أنفاسه و أعادت لها يقينها بأن هذا القلب رغم كل ما فعله لا يزال بيتها الأول و الأخير.