سَلَبَنِي سَلَامِي - الفصل 38 - بقلم ســوريــــا | روايتك

اسم الرواية: سَلَبَنِي سَلَامِي
المؤلف / الكاتب: ســوريــــا
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 38

الفصل 38

في صباحِ اليومِ التالي، وصلتها رسالةٌ واحدة من جاسر الداغر، كلماتٌ مقتضبة تأمرها بالحضور فورًا إلى القصر، لم تحمل الرسالة تفسيرًا و لا تمهيدًا، لكنها كانت تعرف أن ما ينتظرها ليس عاديًا، ارتدت ملابسها على عجل، و قلبها يسبق خطواتها، و عندما وصلت، أدخلها الحرس بصمتٍ مألوف، حتى وقفت أمامه في القاعة الواسعة، جلست قبالته، فرفع نظره إليها طويلًا، ثم قال بصوتٍ حاسم "رح أدخل بالموضوع على طول… قيس حكالي كل شي… و إنتي بتعرفي غلاتك عندي، لو كنت بعرف من الأول كنت قتلتو و ما رجعتلك… بس بدي أتأكد من شي واحد قبل ما أعملها." تصلّبت أنفاسها، بينما تابع "بتحبيه؟" نظرت إليه، ولم تجب، صمتٌ طويل تمدّد بينهما، ثم استدار بكرسيه قليلًا إلى اليمين، الإشارة التي تعرفها منذ طفولتها، اقتربي، نهضت ببطء، اقتربت، ثم جلست بين ذراعيه كما كانت تفعل دائمًا حين يثقل قلبها، و ما إن لامسها الأمان حتى انهارت، بكت بحرقةٍ موجعة، بكت كما لو أن الدموع كانت تنتظر هذا الحضن لتخرج، و يين شهقاتها قالت "ما قدرت أكرهو… رغم إني بكره اللي عملو… بس ما عم أقدر أكرهو… لسا بفكر فيه… لسا بهمني أمره… لسا قلبي بنبض بسرعة لما بشوفو أو حتى لو بسمع اسمه… شو أعمل يا عمو… شو أعمل لحتى أقدر طلّعو من قلبي وأكرهو؟" تركها تبكي حتى هدأت، حتى خفّ ارتجاف كتفيها، ثم قال بهدوءٍ مدروس "ما بدك موته يعني." هزّت رأسها بسرعةٍ رافضة، فتابع "بس بدك يتعاقب؟" مسحت دموعها و قالت بصوتٍ مبحوح "إيه… بدي ياه يعيش شي سيء مثل ما عيشني." أومأ ببطء "إي، عندي خطة… بس وعديني تنفذيها بالكامل." نظرت إليه بثقةٍ طفلةٍ تسلّم قلبها لوالدها "بوعدك." عادت لتجلس في مكانها، فمال إلى الأمام و قال "رح تنخطبي لواحد غيره." اتسعت عيناها بصدمة، لكنه رفع يده مطمئنًا "مؤقتًا… مؤقتًا." ثم تابع، كمن يرسم معركةً على خريطة "رح خبره إنك ما بدك ياه يموت لأنك ما عدتي تهتمي لأمره، و إنو كل المطلوب إنك ما تشوفيه… و بعد فترة رح نعمل حفل الخطبة، و رح ننشره بكل الصحف والمجلات… و شي يوم، رح تحضري إنتي و خطيبك مؤتمر رح يكون هو فيه… و بأي فرصة تصحلك ترقصي مع خطيبك… ارقصي…" توقّف لحظة، و عيناه تحملان قسوة القرار "رجال مثل قيس… ما رح يكسره غير خسارته إلك." و هكذا تمّت الخطة كما رسمها جاسر الداغر بدقةٍ باردة، خُطبت سما ليوسف، رجل أعمالٍ معروف بثقله في السوق ونفوذه المتنامي، و انتشر الخبر كالنار في الهشيم حتى وصل إلى قيس، لم يكن خبرًا عاديًا بالنسبة له، بل حكمًا بالإعدام يُتلى على قلبه و هو حي و في ليلة الخطوبة، حين كانت القاعة تغصّ بالمدعوين و الأضواء تنعكس على الوجوه المبتسمة، انفتحت بوابة الصالة بعنفٍ مفاجئ، و اقتحم قيس المكان يتقدّم مجموعةً من الرجال المسلحين، الصمت الذي تلا دخوله كان أشد وقعًا من الرصاص، عيناه كانتا مثبتتين على يوسف، و سلاحه موجّه إلى رأسه دون تردد، شقّ طريقه بين الحشود المذعورة حتى وصل إلى سما، جذبها نحوه بقوة، فاندفع جاسر يقف أمامه كجدارٍ لا يُخترق، أمره بصرامة أن يخرج ويتركها، لكن قيس انفجر صائحًا "مفكرني غبي لحتى ما أعرف إنك إنت اللي مخطط لهالمسخرة؟ مش عيب عليك تعمل هالحركات عليّ و أنا إيدك اليمين من سبعتعش سنة؟" ردّ جاسر بصوتٍ هادر "قيس، ما دخل الشغل بزواجها، اتركها و اطلع، هي بطلت إلك، اتقبل الموضوع." اشتعلت عينا قيس بجنونٍ مظلم "يا بتكون إلي يا ما بتكون لحدا." و رفع مسدسه، أطلق رصاصةً واحدةً استقرت في رأس يوسف، فسقط جسده بلا صوت، قبل أن يتمكن أحد من استيعاب ما حدث، حمل سما على كتفه كأنها غنيمة حرب، و قال موجّهًا كلامه لجاسر "خطتك إنك تخلّيني غار خطة فاشلة، تأكّد لو المرة الجاية فكرتوا تستفزوني فيها، ما رح يكفيني إني أقتلكم واحد واحد…" في لحظةٍ واحدة، ارتفعت الأسلحة من الطرفين، رجال جاسر يوجّهون بنادقهم، و رجال قيس يردّون بالمثل، توترٌ يكفي لإشعال حربٍ دامية، فقال قيس ببرودٍ قاتل "قول للرجال يفتحوا الطريق." أجابه جاسر "مش قبل ما تتركها." قال قيس دون أن يتراجع "إي، ما رح أتركها، و إذا بدك حرب دم تصير، بتصير." اقترب مراد منه بخطوةٍ غاضبة "قلتلك سما ما حتكون إلك، شو اللي ما كان مفهوم بكلامي؟" ردّ قيس ببرودٍ يسبق العاصفة "و انا قلتلك كنت مستحملك عشانك أبوها…" و رفع المسدس باتجاهه، عندها صرخ جاسر "نزّل سلاحك يا قيس!" اقترب منه بسرعة، صوته انخفض لكنه كان أكثر خطرًا "قيس، البنت مش رايدتك." أجابه دون تردد "ما بهمني… بكفي إني رايدها." قال جاسر بصرامة "نزّلها." حينها انتبه قيس أنها كانت طوال الوقت تصرخ و تضربه على ظهره، تشتمه و تقاومه، فشدّ يده بقوة على فخذها، فتألمت و توقفت، و قال و هو يتحرك نحو الباب "حتركها أول شي لما أدخل بيتي فيها." تحرك من أمامهم، و الصراخ بدأ يتعالى، الهلع اجتاح القاعة، المدعوون يهربون، و الدم ما يزال دافئًا على الأرض، أشار جاسر لرجاله أن يتوقفوا، كأنه اختار تأجيل الحرب لا إلغاءها، خرج قيس من القصر، وصل إلى سيارته، فتح الباب الخلفي و رماها في الداخل، ثم دار حول السيارة، جلس خلف المقود، و انطلق بها بسرعةٍ جنونية، تاركًا خلفه ليلةً تحوّلت من احتفالٍ إلى بداية حرب.