وسأبقى عذراء - حسام. انا ايضا اتألم - بقلم اريج - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: وسأبقى عذراء
المؤلف / الكاتب: اريج
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: حسام. انا ايضا اتألم

حسام. انا ايضا اتألم

--- لم يكن المساء مختلفًا عن غيره… لكن قلبه كان كذلك. جلس حسّام خلف مكتبه، وأمامه عشرات الأوراق والملفات، إلا أن عينيه لم تكونا ترى شيئًا منها. منذ أيام، ومنذ أن غادرت علا، وهو لا يرى ولا يشعر إلا بالغموض الذي أحاط به. كان يشعر أن هناك جزءًا مفقودًا من القصة… جزءًا لا يقدر على اكتشافه مهما حاول. تذكّر يوم رحيلها. كان يريد أن يسألها، أن يعرف وجهتها، أن يفهم السبب. لكن ذلك العناد… ذلك الكبرياء الذي يمنعه دائمًا من السؤال حتى في غير موضعه، هو ما كبّله. كانت قد أخبرته أنها ستزور صديقتها، فلم يكترث، أو ربما تظاهر بعدم الاكتراث. أما اليوم، فهو يبحث عنها كالمحقق… يفتش خلف كل ظل. والمحامي الجيد… لا يثق بالفراغات. فتح حاسوبه، وبدأ البحث: اسمها الكامل. مكان عملها السابق. أي سجل… أي عنوان قديم… أي حادثة مرتبطة باسمها. كتب، حذف، أعاد المحاولة. دخل إلى قواعد بيانات قانونية. بحث في القضايا القديمة. راجع سجلات السفر المتاحة قانونيًا. بحث عن تاريخ أسرتها، عن أيامها قبل أن يعرفها. وكان قد فتَّش بين أغراضها، قلب أدراجها، فتح الصناديق الصغيرة، ونظر في كل زاوية. لم يكن يريد فضيحة، ولا شجارًا… كان يريد فقط طرف خيط يعيدها إليه. لا شيء. وكأن علا بدأت حياة أخرى بعيدًا عنه. وكأنها لم تكن معه يومًا. وكأن العدم هو الذي ابتلعها. تمتم بصوت مبحوح: "لا يمكن أن تُمحى قصتنا… هي لم تبدأ أصلًا حتى تنتهي." فتح درج مكتبه، وأخرج الورقة الصغيرة التي دوّن عليها بعض الملاحظات عنها. قرأها مرة أخرى، وكأنه يبحث بين السطور عن كلمة نسي أن يكتبها. عنوان قديم؟ لا. اسم قريب؟ لا. صديقة؟ جهة اتصال؟ فراغ. تنهد ببطء وأغلق الحاسوب. للمرة الأولى منذ سنوات… يفشل في العثور على معلومة. ارتدّ إلى كرسيه وحدّق في السقف. لم يكن الفضول هو ما يؤلمه… بل القلق. ذلك النوع من القلق الذي يخبرك أن الحقيقة قريبة، لكنها تختبئ في مكان مظلم. رنّ الهاتف فجأة فقطع أفكاره. نظر إلى الشاشة. رقم عمل. أجاب بنبرة مهنية هادئة: "حسّام، تفضل." جاءه صوت رجل متوتر: "مساء الخير أستاذ… بصراحة حدث شيء سيئ." اعتدل في جلسته، وبقيت ملامحه جامدة. قال ببرود: "ماذا هناك؟ ماذا حدث؟" تردد الصوت قليلًا ثم قال بخوف: "هربت." قطّب حسّام حاجبيه: "ماذا؟ من تقصد؟" وقبل أن يأتيه الجواب، سكت الطرف الآخر لحظة، ثم قال: "هربت… لا أدري كيف. لكنها ليست في مكانها. كأنها اختفت." وقبل أن تنتهي المكالمة، اندفع أحدهم إلى المكتب يلهث: "حسّام! حسّام! علا… علا!" نهض حسّام بسرعة، أمسك بكتفي الرجل الذي يلتقط أنفاسه وهزه بقوة: "ماذا حدث؟ هل وجدتموها؟ أرجوك قل إنك وجدتها!" قال الرجل مرتبكًا: "نعم… لكن—" صرخ: "لكن ماذا؟!" ارتبك الرجل أكثر: "تورّطت." تجمّد حسّام. "بماذا؟" "لم أكن أعرف أنها هي… لم أكن أعلم." قبض حسّام على قميصه: "ماذا فعلت؟!" قال بصوت خافت: "عندما اتصلوا… أخبرتهم أن يقدموها إلى القضاء مباشرة." اتسعت عينا حسّام: "أتمزح؟! وفي ماذا تورطت؟!" ردّ الرجل وكأن الكلمة تثقل لسانه: "تهريب مواد ممنوعة." صمت ثقيل سقط بينهما. "ماذا؟! كيف؟ متى؟ أين؟" وكانت تلك الكلمات كالملح على جرح مفتوح. وفجأة عاد صوت من الهاتف الذي نسي حسّام إغلاقه: "أستاذ حسّام؟ ماذا نفعل الآن؟" التقط الهاتف بيد مرتجفة وقال بحدة: "افعلوا ما شئتم… زوجتي أهم." أغلق الخط بعنف، وغادر مكتبه مسرعًا. --- في الشركة، وفي مكان اصطفاف السيارات، كان حسّام يتجه بسرعة إلى سيارته حتى رآها هناك تقف بعيدًا عنه. اختفى هدوؤه. وضاقت أنفاسه. كانت هناك… أمامه. خطواتها في الممر كانت سريعة، أقرب إلى الركض، كأنها ملاحَقة. نظر إليها مطولًا. أليست هذه التي كان يبحث عنها؟ أليست هي التي صُدم بخبر هروبها؟ ولماذا هي هنا؟ ألا يكفيه ما حلّ بياسمين؟ ألا تكفيه علا أيضًا؟ لماذا حظه هكذا؟ حين رأته… ابتسمت. ابتسامة من وجد الملاذ الآمن. كأنها فازت بأكبر جائزة. ركضت نحوه، وارتمت في حضنه. لكن جسده لم يحتضنها. دفعها بعيدًا بقوة، أمسك بذراعيها وهزّها بغضب وفزع، والمشاعر تعصف بداخله بلا رحمة: "كيف تهربين؟ من أنتِ حتى تهربي؟ من سمح لكِ بالمغادرة؟ كيف تفعلين هذا بنا؟ ثم ماذا؟ تعودين إليّ وكأنكِ لم تفعلي شيئًا؟" كانت نظراتها مضطربة، لكن فيها رجاء. ولولا أن أمين لحق به في اللحظة ذاتها، لربما فقد السيطرة تمامًا. أمسك أمين بذراعه بقوة: "توقف يا حسّام! ماذا تفعل؟!" كان أمين سكرتيره… وصديقه الأقرب… وأخاه الذي لم تلده أمه. قال أمين بحدة: "اهدأ! ليست هذه الطريقة!" قال حسّام بصوت مخنوق بالغضب: "أنا لم آخذ حقي منكِ بعد… لن أسمح لكِ بالمغادرة. لن تهربي أبدًا." رفعت عينيها إليه، ودموعها تلمع: "أقسم لك… لم أكن أعلم." اشتد صوته: "لم تعلمي؟! خُطفت طفلة في المهد وتقولين لا أعرف؟! ابنتي بين الحياة والموت الآن بسببك! أنتِ خطفتِ ابنتها؟ كيف تفعلين ذلك؟ أين هي؟ لن أسمح لكِ بالرحيل حتى أجدها!" قالت بصوت مرتجف: "خُدعت… وثقتُ بمن لا يستحق." ساد الصمت لثوانٍ. زمجر حسّام بقوة وصرخ قائلًا: "كفى!" قال أمين بهدوء: "حسّام… ليس هنا المكان المناسب." نظر إليها طويلًا. "معك حق." جرّها وراءه إلى سيارته، وأدخلها، وانطلق مسرعًا، حتى إنه لم ينتظر صديقه الذي لحق به على عجل. كان يقود، وفي عينيه صورة ذكرى أليمة… --- في وقت سابق… دخل حسّام فرِحًا يريد أن يرى حفيدته. دخل وهو مبتسم ويحمل في يده كبرى الهدايا، ليجد ابنته ياسمين في صدمة. كانت مكورة تبكي، ويشتد نحيبها على ابنتها التي ضاعت. ارتمت في حضنه وهي تصرخ: "أين هي؟ أين هي؟!" "كنت نائمة… سمعت صوتًا… سمعت خطوات… نهضت، التفتُّ، فلم أجدها…" كان صوت ياسمين ملعثمًا، مخنوقًا، مشحونًا بكسر في القلب. ثم فقدت وعيها، ودخلت العناية المشددة من الخوف والهول الذي أصابها لفقدان ابنتها. وكان آخر ما قالت، وشفاهها ترتجف: "أريدك يا أمي… أين أنتِ يا أمي… أمي علا…" وبين الغضب… والخوف… والحب الذي يرفض أن يموت… بدأت معركته الحقيقية. في وقت لاحق، وفي غرفة المراقبة بالمستشفى، كان حسّام يراقب تسجيلات الكاميرات. الممر الطويل… غرفة الأطفال… الممرضات يدخلن ويخرجن… ثم توقّفت الصورة. قال الموظف: "هنا يا أستاذ… هذه اللحظة." ظهرت الممرضة، تتحرك بهدوء شديد، تحمل الطفلة ملفوفة بإحكام، تخفيها تحت غطاء كبير، وتمشي بثبات دون ارتباك. ساد الصمت. كان واضحًا… لن تتكلم. --- بعد ساعات قليلة، كانت الممرضة تجلس أمامه. لم تكن تبكي. لم تكن خائفة. كانت تنظر إليه مباشرة، بنظرة ثابتة… فيها شيء من التحدّي. وضع حسّام التسجيل أمامها: "هذه أنتِ." نظرت إلى الشاشة، ثم أعادت عينيها إليه. صمت. قال ببطء: "أين الطفلة؟" لم تجب. "من أخذها؟" صمت. اقترب خطوة. "من معك؟" بقيت صامتة. لا إنكار. لا اعتراف. لا دموع. فقط تلك النظرة… نظرة عناد بارد. قال بحدة أكبر: "تظنين أن الصمت سيحميك؟" ابتسمت ابتسامة خفيفة… لم تصل إلى عينيها. ثم قالت أخيرًا: "أنا لم أرَ شيئًا." ارتفعت نبرة صوته: "الكاميرات رأتك!" ردّت بهدوء: "الكاميرات ترى ما تريد." ساد الصمت. كان واضحًا… لن تتكلم. لن ينجح أي تهديد أو ضغط معها. نظر إليها طويلًا، ثم قال بصوت منخفض وخطير: "حسنًا." التفت إلى الرجلين عند الباب. "من الآن… لن تخرج من هنا." أشار إليها دون أن ينظر: "حراسة دائمة. ليلًا ونهارًا." اقترب الرجلان ووقفا خلفها. قال حسّام قبل أن يغادر: "ستبقين هنا… حتى تتذكري كل شيء." لم تبدُ عليها أي علامة خوف. رفعت رأسها أكثر، ونظرت نحوه بتلك النظرة نفسها… نظرة تحدٍّ صريح. خرج حسّام وأغلق الباب خلفه. بعد خروجه، بقيت الممرضة واقفة صامتة، جسدها متوتر، لكن عينيها لا تزال تحمل نظرة تحدٍ. في صمت الغرفة، بدأت الأفكار تتسلل إلى ذهنها، بعيدًا عن صرامتها الظاهرية: "هو… هو الوحيد الذي أستطيع الاعتماد عليه… الوحيد الذي يمكنه إنقاذي من هذا كله..." رغم صمتها الخارجي ونظرتها الباردة، كان قلبها يخفق بسرعة. كانت تعرف أن أي خطوة خاطئة قد تجعلها تفقد الأمان الذي توفره هذه الحماية. لكنها لم تكن خائفة… لم تكن ضعيفة. بل كانت واعية، واعية جدًا بأنها بحاجة إلى ذلك الرجل، وأنه… وحده… قادر على قلب الموازين. ---