الفصل 36
بعدَ وقتٍ طويلٍ من العمل المتواصل، أُغلِقَت الملفاتُ أخيرًا، و انسحب الإرهاقُ على ملامح الجميع، نهض قيس و هيثم استعدادًا للمغادرة، لكن صوتَ جاسر الداغر أوقفهما بنبرةٍ هادئةٍ لا تقبل التجاهل
"قيس… خليك، حابب حاكيك."
تبادل قيس و هيثم نظرةً سريعة، ثم أومأ الأول و جلس من جديد، بينما استأذن هيثم و غادر، ليبقى المكتب غارقًا في صمتٍ ثقيل، لا يُسمع فيه سوى أزيز المكيّف، رفع جاسر نظره إلى قيس، و ثبّت عينيه عليه طويلًا، كأنما يفتّش في أعماقه عن حقيقةٍ مختبئة، ثم قال مباشرةً
"شو في بينك و بين سما؟"
لم يتحرك قيس، لم يرمش حتى، لكن داخله كان يضجّ بالارتباك، هل كانت نظراته مكشوفة؟ هل لاحظ ارتباكه أمامها؟ أم أن سما نفسها كشفت ما حاول إخفاءه؟ مرّت ثواني ثقيلة، قبل أن يضيف جاسر بصوتٍ أخفض، لكنه أشد وقعًا
"واضح إنو اللي بينكم كبير…"
رفع قيس نظره ببطء، فتابع جاسر، و كأنه حسم أمرًا في داخله
"أنا عارف إنك بتستاهلها، ما حدا قدك بيقدر يحميها، و طالما بتحبها… و أنا بعرف إنها أول حب بحياتك… دير بالك عليها، أوعك تأذيها فاهمني؟ سما روحي، و أغلى من روحي، إذا أذيتها بتكون عم تأذيني."
ظلّ صامتًا، و كان جاسر ينتظر وعدًا، كلمةً، أي شيءٍ يطمئنه، لكن ما رآه في عيني قيس لم يكن طمأنينة، بل خزيٌ ثقيل، انقبضت ملامحه و قال بحدةٍ خافتة
"شو اللي صاير؟"
خرج صوت قيس مكسورًا
"أنا أذيتها.. اذيتها كثير يا جاسر بيك."
تصلّب جسد جاسر
"كيف يعني أذيتها؟"
انخفض صوت قيس أكثر، حتى كاد يختفي
"اغتص…"
تعثّرت الكلمة في حلقه، لكن المعنى وصل كاملًا، انتصب جاسر واقفًا كمن صُعق، قبض على ياقة قيس و سحبه بعنفٍ حتى وقف أمامه
"شو؟! شو عملت؟! قلّي شو عملت؟!"
قال قيس و عيناه في الأرض
"اغتصبتها."
انفجرت لكمةٌ مدوّية، ارتدّ جسد قيس مترنحًا حتى سقط على الأريكة، اقترب جاسر من جديد و الغضب يتجدّد في صدره كعاصفةٍ لا تهدأ
"كيف يعني؟ كيف بتتجرأ؟!"
لكمه مرةً أخرى، و عندها فقط استوعب قيس الوضع الذي هو فيه، فأبعده عنه بحذرٍ و احترام، و لو أراد لطرحه أرضًا، فجاسر نفسه يعرف قوته، واحدٌ من أقوى رجاله جسدًا و ذهنًا، و هذا ما لم يستطع عقله تقبّله، قيس القاسي الذي لا يرحم… كيف يكون هو من انتهكها؟ كيف كانت بين يديه، تحت رحمة هذا المتجبر؟ وقف جاسر أمامه، يلهث غضبًا
"كيف؟ كيف؟ ما عم أفهم… من إمتى و إنت شهواني؟! طول عمرك بتتعامل مع نسوان، اللي بيسمعك بقول محروم!"
قال قيس بصوتٍ ميت
"غصب عني."
سأله جاسر بحدة
"كنت شربان شي؟"
هزّ رأسه نفيًا، فصرخ فيه
"اغتصبتها بكامل عقلك؟!"
حلّ صمتٌ ثقيل، صمتٌ لا يُحتمل، جاسر يحاول أن يستوعب أن أميرته الصغيرة عاشت رعبًا كهذا… و من مَن؟ من أقرب رجاله، يده اليمنى، اقترب منه، رفع يده أمامه بتحذيرٍ قاسٍ
"اسمعني كثير منيح يا قيس… صعب عليّ أخسر رجال مثلك من رجالي… بس إذا سما رادتها… رح علّق مشنقتك بإيدي… ادعي بس يكون في بقلبها ذرة حب إلك بقيانة…"
أمّا عندَ سما، فقد دخلت المقهى بخطواتٍ ثابتة، تخفي خلف هدوئها ضيقًا لا تريد له أن يُرى، كان حسام ينتظرها على الطاولة في الزاوية، و حين لمحها وقف سريعًا كمن وجد طوق نجاة، لكن نظرةً واحدةً من عينيها كانت كفيلة بإعادته إلى مقعده، جلست قبالته دون أن تخلع معطفها، و كأنها تعلن منذ اللحظة الأولى أن اللقاء مؤقت، و أن وجودها هنا ليس سوى واجبٍ ثقيل، بدأ يتحدث، يبرر، يلتفّ حول الكلمات، يطلب منها أن تساعده، أن تتدخل، أن تُقنع مرام بأن تعود إليه، لكن اسمَه وحده كان كافيًا ليشعل في صدرها نفورًا، حتى صوته لم تعد تطيقه، رفعت يدها تقاطعه بنبرةٍ صارمة
"حسام، أنا ما رح أعمل شي."
حاول التمسك بالأمل
"بس سما اسمعيني—"
قاطعته ببرودٍ قاطع
"إنت اللي خنت، و إنت اللي لازم تتحمّل مسؤولية تراضيها، مو أنا."
كانت كلماتها واضحة كحدّ السكين، لا تترك مجالًا للالتباس، و في أعماقها كانت تتمنى ألّا ترضى مرام أبدًا، ليس شفقةً عليها فقط، بل لأن الحقيقة التي لا تريد قولها بصوتٍ عالي هي أن حسام لا يستحق فرصةً ثانية، لا معها و لا مع غيرها، تنفّس بضيق، حاول مرةً أخرى، لكن نظرتها الجامدة أخبرته أن الأبواب كلها أُغلقت، و بعد صمتٍ قصير قالت و كأنها تُنهي الاجتماع رسميًا
"مرام عندها موعد يوم الخميس رح تسلّم سيارتها للميكانيكي، و رح ترجع بالتاكسي… و الباقي.. إنت أدرى فيه."
رفع رأسه بسرعة، فهم التلميح، لكنه لم يجد كلمات شكرٍ تليق، لأنها لم تمنحه مساعدة، بل مجرد معلومة، وقفت دون أن تنتظر ردًا، التقطت حقيبتها، و استدارت نحو الباب، لم تنظر خلفها، و لم تشعر بالحاجة لذلك، تركته هناك، غارقًا في أخطائه، و خرجت إلى الهواء البارد، كأنها خرجت من غرفةٍ خانقة، تمشي بخطواتٍ أسرع، لا لأنها مستعجلة، بل لأنها تريد أن تبتعد فهي تشعر بالاشمئزاز من تواجدها بمكان مع خائن مثله