عبور بلا عودة - الفصل 4 : خريطة الظل - بقلم عبور بلا عودة | روايتك

اسم الرواية: عبور بلا عودة
المؤلف / الكاتب: عبور بلا عودة
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 4 : خريطة الظل

الفصل 4 : خريطة الظل

أحياناً، لا يكون الخطر في السيوف المسلولة… بل في الأبواب المغلقة، والنظرات الصامتة، والخطوات التي لا تُسمع. في القصور، لا تُرتكب الخيانات في العلن، بل تُزرع بهدوء… كالبذور، حتى يحين وقت الحصاد. وهي لم تكن تعلم أن اسمها، في تلك الليلة، لم يعد مجرد اسم… بل صار اتهاماً. بقيت واقفة في منتصف الغرفة، والهواء ما يزال مثقلاً برائحة التوتر. من وضع الخريطة هنا… لم يكن يبحث عن دليل. بل عن ضحية. التفتت نحو الخادمة التي ما تزال ترتجف قرب الباب. "من دخل جناحي اليوم غيركِ؟" ترددت لحظة، ثم قالت بصوت خافت: "كان هناك حارس عند الباب هذا المساء… لم أره يقف هنا من قبل." تجمّدت ملامحها. "صفِيه." "طويل… عيناه داكنتان… وبقي واقفاً أكثر من اللازم." انقبض صدرها. هو. الحارس الذي تركها تمرّ في الممر… الحارس الذي لم يطلق الإنذار. تقدمت نحو النافذة ببطء، وأزاحت الستارة قليلاً. في الساحة، كان الحراس يتفرقون. ومن بينهم… رأته. وقف لحظة، كأنه يشعر بنظرتها. رفع عينيه نحو نافذتها. تلاقت النظرات. لم يكن في وجهه خوف. ولا ارتباك. بل شيء أقرب إلى التحذير. ثم استدار واختفى بين الظلال. ابتعدت عن النافذة. إذا لم يكن هو من وضع الخريطة… فهو على الأقل يعرف من فعل. وفي مكان آخر من القصر، بعيداً عن الأعين، كان شخص يقلب نسخة كاملة من نفس الخريطة… ويبتسم بهدوء. اللعبة بدأت. كل شيء عاد إلى مكانه… لكن إحساس العبث ما زال معلقاً في الهواء. التفتت ببطء نحو مكتبها. الظرف الأسود ما يزال هناك، لكن الخريطة أُخذت. من دخل جناحها؟ ومتى؟ "آنستي…" قالت الخادمة بتردد، "هل تظنين أنهم سيعودون؟" لم تجب فوراً. كانت تفكر. التفتيش لم يكن عشوائياً. كانوا يعرفون أين يبحثون. اقتربت من المكتب، ومررت أصابعها فوق الخشب الداكن. هناك خدش صغير قرب الحافة… لم يكن موجوداً من قبل. انخفضت قليلاً، ولاحظت أن أحد الأدراج لم يُغلق جيداً. فتحته. كان فارغاً… إلا من قطعة قماش سوداء صغيرة عالقة في الزاوية. أخرجتها. ليست من ملابسها. نسيجها سميك… يشبه زيّ الحرس. ارتفع نبضها. هل كان الحارس الذي رأته؟ التفتت نحو الخادمة فجأة. "عندما قلتِ إن حارساً كان عند الباب… هل دخل؟" "لا… لم أره يدخل. لكنه تحدث مع أحد الحراس الآخرين، ثم ابتعد." تقدّمت نحو النافذة مرة أخرى. الساحة أصبحت شبه فارغة الآن. السماء بدأت تميل إلى العتمة. وفي البعيد، رأت حركة عند مدخل الجناح الجنوبي. رجلان يتحدثان في الظل. أحدهما… الأمير. والآخر… لم تستطع رؤية وجهه بوضوح، لكن هيئته مألوفة. بعد لحظات، افترقا. الأمير اتجه نحو الداخل. أما الآخر… فسلك طريقاً يؤدي إلى أبراج الحراسة. هل كان يناقشه في أمرها؟ أم يحذّره منها؟ طرق خفيف على الباب جعلها تلتفت بسرعة. هذه المرة لم يكن طرقاً رسمياً. فتحت بحذر. كان هو. الحارس. وقف أمامها دون خوذة هذه المرة، وملامحه أكثر وضوحاً في الضوء الخافت. عيناه الداكنتان لم تكونا قاسيتين… لكنهما لم تكونا مرتاحتين أيضاً. قال بصوت منخفض: "لم يكن ينبغي أن يُعثر على تلك الخريطة." تجمّدت. "كيف عرفت؟" نظر إلى داخل الغرفة سريعاً، ثم إليها. "لأنني رأيت من دخل جناحك." سكتت الخادمة فجأة، وتراجعت خطوة. اقترب الحارس قليلاً، لكن دون أن يتجاوز العتبة. "لم أستطع إيقافه… لو فعلت، لكان دوري التالي." تقلصت عيناها. "من هو؟" تردد. نظره انحرف لثانية، وكأنه يقاوم قول الاسم. "شخص قريب من المجلس… أكثر مما تتوقعين." ازداد توترها. "لماذا تخبرني؟" التقت عيناه بعينيها مباشرة. صمت طويل. ثم قال بهدوء: "لأن ما يحدث لكِ… ليس صدفة." لم يكن اعترافاً. ولم يكن ولاءً. كان تحذيراً. وقبل أن تضغط عليه أكثر، سُمعت خطوات في الرواق. شدّ جسده فوراً، وعاد وجهه إلى قناع الحارس الرسمي. قال بسرعة: "لا تثقي بسهولة… لا بي، ولا به." ثم استدار ومضى، تماماً كما جاء. أغلقت الباب ببطء. تقدّمت نحو الطاولة، وأخرجت الخاتم من جيبها. نظرت إلى الرمز المنقوش عليه… ثم إلى قطعة القماش السوداء في يدها. قطعتان من لغز واحد. وفي مكان آخر من القصر، داخل غرفة مضاءة بشمعة واحدة، كان رجل يجلس أمام طاولة حجرية. أمامه نسخة كاملة من الخريطة. مرر إصبعه فوق اسمها المكتوب في أسفل الصفحة. وقال بهدوء بارد: "دعوا الشكّ يأكلهم… حتى لا يروا الحقيقة."