الفصل 34
بقيت سما مستلقية على الأريكة، تحدق في نقطةٍ وهمية على السقف، كأنها تحاول أن تُبقي عقلها فارغاً من أي فكرة قد تعيدها إلى تلك الدوامة، لكن صوت خطوات زينب الحازمة اخترق سكون المكان، توقفت أمامها مباشرة، ظلها سقط فوق وجه سما، و نبرتها خرجت صارمة، مختلفة عن هدوئها المعتاد، كأن أمّاً مذعورة تحاول انتشال ابنتها من غرقٍ بطيء.
"سما اقعدي قدامي.. لازم نحكي!"
رفعت سما عينيها إليها ببطء، بلا اعتراض، و جلست قبالتها كمن يُنفّذ أمراً لا يملك طاقة لمقاومته. جلست زينب أمامها، أسندت مرفقيها إلى ركبتيها، و ضمّت كفيها ببعضهما، تحدّق في وجهها بعينين ممتلئتين بقلقٍ صادق، ثم بدأت تتكلم، كلماتها تخرج متماسكة لكنها محمّلة برجفة خفية.
"تركتك اسبوع كامل.. تواجهي فيه حزنك و اكتئابك.. بس هالشي ما بعني اني رح اتركك تعيشي بقية حياتك عم تفكري بلي راح وكانو ما عندك حياة تانية برا عم تستناكي.. راح جنين طفل بريء ماله ذنب.. بس يمكن احسن ما كان ينولد ليواجه ام ما بتطيق تسمع سيرة ابوه.. ينولد ليعيش بعيد عنه؟ و اذا ما هيك كان اكيد قيس جبرك ترجعي له.. او ياخذه.. كان رح يعيش بتعاسة بطريقة او باخرى.. لا تلومي حالك.. مش ذنبك انه اعتدى عليكي بكفي تحملي حالك مسؤولية الي صار.. خلص انسي!"
اهتزّت نظرات سما عند سماع اسم قيس، لكن زينب لم تتوقف، كانت تعلم أن التردد الآن خيانة لما تحاول إنقاذه.
"رح ترجعي لشغلك.. لدراستك.. لاهلك.. لحياتك كلها.. رح ترجعي اقوى من الي كنتي عليه.. الضربة الي ما بتكسر بتقوي.. و انت ما رح تنكسري ابدا. ارجعي لأهلك.. اكيد وضعك مش عاجبهم.. لا تجبري حالك تعيشي وحيدة مثلي.. و انت عندك اهل بحبوكي."
صمتت لحظة، تنفست بعمق، ثم انحنت قليلاً للأمام، نبرتها انخفضت لكنها ازدادت رسوخاً.
"سمعيني منيح.. رح ترجعي لحياتك الطبيعية.. و ترجعي تبني حالك من اول و جديد.. و بس تعمليها.. رح تخبري قيس بانه فقد طفله.. رح تعيشيه الوجع الي عشتيه!."
بقيت الكلمات معلّقة في الهواء بينهما، ثقيلة كحقيقة لا مهرب منها، بينما كانت سما تحدق في عيني زينب، تشعر بشيء يتحرك داخل صدرها لأول مرة منذ أيام… ليس أملاً كاملاً، و لا شفاءً، بل شرارة صغيرة تقول إن النهاية التي ظنتها قد كُتبت، ربما لم تكن سوى بداية أخرى.
بدأت سما تحاول أن تعود كما كانت، خطوةً صغيرة تتبعها أخرى، مستندة إلى وجود زينب التي لم تتركها يوماً، كانت تراقبها بصمت حاني و هي تستعيد عاداتها القديمة، تعود إلى طعامها، إلى دراستها، إلى محاولات الضحك التي كانت في البداية متعثرة ثم صارت أكثر صدقاً مع مرور الأيام، و أدركت سما أن الصداقة الحقيقية لا تُقاس بطول السنوات بل بعمق الوقوف في لحظات الانهيار، أن من يبقى حين تتكسر الروح هو وحده من يستحق أن يُدعى صديقا
لكن ما لم تدركه سما، أن زينب لم تكن تمنحها القوة فحسب، بل كانت تنقذ نفسها أيضاً، فقد وجدت أخيراً من يشاركها الحياة، صديقةً و شقيقةً في آن واحد، لم تعد حياتها معلّقة بانتظار حبيب يختفي أكثر مما يحضر، لم تعد الليالي طويلة لأنها وحيدة، صار لديها من تسهر معه حتى الفجر تتحدثان عن كل شيء و عن لا شيء، تضحكان فجأة ثم تصمتان براحة من يفهمه الآخر دون شرح، وجدت في سما سنداً كما وجدت سما فيها ملجأً.
وجدت من تشاركها أحزانها قبل أفراحها، من تتبادل معها الملابس و الأسرار، من تخرج معها لاحتساء القهوة في مقهى فاخر و كأنهما تهربان من العالم، ثم تجدان نفسيهما في ليلة أخرى تضحكان بثمالة في حانة معروفة، بلا أقنعة، بلا ادعاء، فقط روحان متعبتان وجدتا بعضهما، تشاركتا المواهب، و الوصفات المفضلة، و النكات السخيفة التي لا تضحك سواهما، نفس الذوق في الموسيقى، نفس الطريقة في إمالة الرأس عند التفكير، نفس الصمت المريح الذي لا يحتاج تفسيراً.
وجدت زينب شخصاً ترتمي في حضنه حين تهاجمها وحدتها، وجدت يداً تمسح على شعرها بحنان أمٍّ لم تطلب مقابلاً، و في تلك التفاصيل الصغيرة، تلك اللحظات التي قد تبدو عادية للآخرين، كانتا تبنيان شيئاً نادراً… شعوراً بأن الوحدة التي عاشتاها طويلاً لم تعد قدراً، و أن وجود شخص واحد صادق قد لا يغيّر العالم، لكنه كافي ليجعل العيش فيه ممكناً من جديد.