أوتــــــار أربــــــعة - الفصل 58 - بقلم Amani algeria | روايتك

اسم الرواية: أوتــــــار أربــــــعة
المؤلف / الكاتب: Amani algeria
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 58

الفصل 58

** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶** آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯ‏‏هہ . . . . . . . . . ↓ كانت باريس في ذلك المساء تتزيّن بضوءٍ ذهبي خافت، تنعكس أشعة الغروب الأخيرة على واجهات المباني الحجرية العتيقة، ويتسلل النسيم البارد بين الأشجار المصطفّة على جانبي الشارع، فيحرك أوراقها بحنينٍ خفيف. المقاهي مزدحمة، ضحكات متقطعة، وأكواب قهوة يتصاعد منها البخار في هدوءٍ أوروبي معتاد. عند زاوية الشارع، أمام مبنى حجري بشرفاتٍ حديدية سوداء، توقفت سيارة رياضية داكنة اللون. نزل منها بهدوء، وأغلق الباب دون استعجال، ثم اتجه بخطواتٍ واثقة إلى المقهى المطلّ على نهر السين، مقهاه المفضل الذي اعتاد أن يختم فيه أيامه الطويلة في العيادة. دفع الباب الزجاجي، فاستقبله دفء المكان ورائحة القهوة المحمّصة حديثًا. حيّاه النادل بابتسامةٍ عارفة، فقد أصبح من الوجوه المألوفة هناك. — كالمعتاد؟ اكتفى بإيماءة خفيفة. بعد دقائق، وُضِع أمامه فنجان قهوته الداكنة، سوداء بلا سكر، كما يحبها. حمل الفنجان واتجه إلى الطاولة القريبة من النافذة، حيث يمتدّ النهر بهدوءٍ مهيب. كان طويل القامة، معتدل البنية، يحمل في حضوره ثقة هادئة لا تحتاج إلى استعراض. شعره بنيّ داكن، كثيف قليلًا، منسدل بعفوية مرتبة، كأن الريح تمرّ عليه لتزيده جاذبية طبيعية. أما عيناه فبنيّتان واسعتان، بلون القهوة الثقيلة، عميقتان على نحوٍ يربك من يطيل النظر فيهما؛ نظرة دافئة في ظاهرها، غامضة في داخلها، توحي بأن خلف هذا الهدوء تاريخًا من التجارب. خلع معطفه ووضعه على الكرسي المجاور، وأكمام قميصه البيضاء مرفوعة قليلًا تكشف عن ساعة جلدية أنيقة. جلس مسترخيًا، وأخذ رشفة أولى ببطء، كمن يحفظ طقس الوداع جيدًا. رنّ هاتفه. نظر إلى الشاشة، فارتسمت ابتسامة تلقائية على شفتيه. جاءه صوت أمه أولًا، دافئًا وممتلئًا شوقًا: — متى توصل يا ولدي؟ اشتقنا لك وماني قادرة أصبر أكثر من كذا. أغمض عينيه لحظة، وكأن الصوت وحده أعاده سنواتٍ إلى الوراء. — الليلة يا يمة، على الساعة واحدة إن شاء الله. — الله يحفظك في طريقك… رجعت لنا أخيرًا!!!!. ابتسم وهو ينظر إلى انعكاس الأضواء على النهر. — أيوه يمة… برجع للسعودية الحبيبة. توالت دعواتها عليه، بصوتٍ مليء بالحنان: — الله يفتح لك أبواب الخير… ويكتب لك اللي فيه صلاحك… ويردك لنا سالم غانم. خفض صوته قليلًا: — ادعي لي يا الغالية. — دعائي معك وين ما كنت. ظل صامتًا لحظة، يستمع، ثم قال بنبرة امتنانٍ صادقة: — الله لا يحرمني منك. ردت بحب: — ولا يحرمني منك يافلذة كبدي ياحبيبي انت. إبتسم بحب وأغلق الهاتف ببطء. أخذ نفسًا عميقًا، ونظر حوله إلى المكان الذي شهد مراهقته، خطواته الأولى، نجاحاته الأولى، وطيشه كذلك. هذا المقهى يعرف صمته، وهذه المدينة تحفظ أسراره. لكن الوقت حان. حمل فنجانه وأفرغه في آخر رشفة، ثم نهض بهدوء. ها هو يودّع أرضًا صنعت اسمه… عائدًا إلى موطنه الأول، إلى البلاد التي وُلد فيها، وعاش طفولته بين دفء العائلة ونداء الأذان في الفجر. إلى بلاده الحبيبة.