الفصل الثلاثون بعد المئة
" the writer Aridj "
.
.
.
وأخيرًا… ها هما يلوحان في الأفق، يسيران نحوهما بخطواتٍ أثقلها السفر وأخفّها الشوق. كانت شذى تتلثم بنقابها، لا يظهر من وجهها سوى عينيها اللتين تلمعان بلهفة اللقاء، بينما كان تركي يجرّ خلفه حقيبته وحقيبتها، بخطواتٍ واثقةٍ لكنها متعبة.
رفع خالد يده عاليًا وهو يهتف بصوتٍ عالٍ تغلّفه الفرحة /تركيي ...هنا… هنا!
توقفت شذى في مكانها فجأة. كأن الزمن تعثّر عند تلك اللحظة.
إنه هو… شقيقها خالد.
ارتجفت قدماها، ولم تعد تقوى على حملها. حاولت أن تمشي، فإذا بخطواتها تتحول إلى ركضٍ متعثر، بين دمعةٍ تكاد تسبقها وضحكةٍ تختنق في صدرها.
أسرع خالد نحوها هو الآخر، قلبه يسبقه، وعندما وصل إليها لم تحتمل شذى أكثر… ارتمت في أحضانه، دفنت وجهها في صدره وبكت بحرقة الشوق، وهي تردد بصوتٍ متهدّج /اشتقت لك… اشتقت لك…
ضحك خالد، ضحكةً ممتزجةً بالعاطفة، وضمّها بقوة كأنه يخشى أن يخطفها الغياب من جديد، وقال مازحًا /مو كنتي تقولين باقي عام وبس، ما راح أشتاق ولا شي؟
ضحك تركي، الذي وصل إليهما في تلك اللحظة، وهو يقول بخفة دم /كفو يا شذى… نسيتيني يوم شفتي هالأهبل؟
ابتعد خالد قليلًا، وما تزال يد شذى متعلقة بيده، وكأنها تستمد منه يقين العودة.
أخيرًا… اجتمعت بعائلتها.
التفتت بعينيها تبحث عن وجهٍ آخر، لتقع عيناها على والدتها.
كانت أم مهند تقف هناك، واضعة يدها على فمها، ودموعها تنهمر بغزارةٍ تبلل نقابها. لم تستطع أن تخفي ارتجاف كتفيها، ولا انكسار ملامحها تحت وطأة الشوق.
أفلتت شذى يد خالد، واندفعت نحوها كطفلةٍ تعود إلى حضنها الأول. فتحت أم مهند ذراعيها لابنتها الصغيرة… وحيدتها… قطعة قلبها التي غابت طويلًا.
احتضنتها بقوة، كطائرٍ يعود أخيرًا إلى عشه الآمن.
بكت شذى في حضن أمها، لا تخجل من دموعها، ولا تكابر على شوقها.
كانت لحظة لقاءٍ مؤثرة، تتداخل فيها الأنفاس والدموع وكلماتٌ لا تحتاج أن تُقال.
مهما طال الفراق… فهو لا يدوم.
رفعت أم مهند يدها المرتجفة إلى وجه شذى، وأزاحت نقابها، ثم أخذت تمرر أناملها على ملامح ابنتها، كأنها تتأكد أنها حقيقة وليست حلمًا، وهي تقول بصوتٍ مبلل بالعاطفة /وش فيه وجهك تعبان يا يمّه؟ شوفي كيف نحفانة… يا بنتي ليه بعدتي عني؟ والله قلبي ما ارتاح إلا لما شفتك…
أنزلت شذى لثامها، واحتضنت أمها مرةً أخرى، والسعادة تغمرها حتى كادت تطير من بين أضلعها، وقالت بدلالٍ طفولي /الحين أنا هنا… إن شاء الله تملّين مني.
ضحك الجميع، وانفرجت الوجوه، وربتت أم مهند على كتف ابنتها بحنانٍ لا ينضب وقالت /ما في أم في الدنيا تمل من عيالها.
اقترب تركي من والدته بعدما عانق خالد ورعد بحرارة الإخوة. ابتعدت شذى قليلًا ووقفت بجانب أمها، تفسح المجال لأخيها ليعود هو الآخر إلى ملجئه الآمن بعد غيابٍ طويل.
لم تجف دموع أم مهند بعد، حتى انهالت من جديد. احتضنھا تركي وقبل جبينها، بينما كانت تضمه بقوة، تتمسك بجاكيتِه بأناملها كأنها تقول لهم بصمتٍ موجع
"لا ترحلوا مجددا… لا تعذبوا قلب أمٍّ برحيلكم"
وبعد لحظاتٍ من العناق، وكلمات التفقد، والسؤال عن الأحوال، والاطمئنان على أدق التفاصيل… التفت تركي حوله، يتفحص الوجوه، ثم سأل باستغراب /وين مهند؟ ما أشوفه معاكم… حكالي إنه رجع، بس وينه للحين؟
أكملت شذى بلهفةٍ واضحة /إيوه وينه؟ كنت أتمنى أشوفه أول واحد يستقبلني.
رد خالد بنبرةٍ مازحة، وهو يعقد ذراعيه أمام صدره /ليش؟ إحنا ما عجبناك؟
ضحكوا جميعًا، وتلاشت لحظة الاستغراب، ثم قالت أم مهند بهدوء /مهند راح للشرقية… بإذن الله بكرا تشوفونه.
قفزت شذى بفرحٍ عفوي، متناسية أنها في مطار، ودارت حولهم بسعادةٍ طفولية وهي تقول /للحين ماني مصدقة إننا رايحين للشرقيييية… ووووو ياااااا سللاااااام… يا سلام ياسلملم!
تعالت الضحكات حولها، وضحكوا على تصرفاتها التي لم تتغير رغم السنين. ثم مشوا مغادرين أرض اللقاء، حاملين حقائبهم وقلوبهم الممتلئة.
وضع خالد الحقائب في صندوق السيارة بعناية، بينما صعد الجميع وأخذ كلٌّ منهم مكانه.
اتجه إلى مقعد السائق، فتح الباب… لكنه سمع رنين هاتفه.
توقف
أعاد إغلاق الباب ببطء، وأخرج هاتفه، ثم ابتعد قليلًا عن السيارة.
ابتسم فور أن رأى الاسم يلمع على الشاشة
"وصية الرسول… حياتي الأولى والأخيرة."
وكأن من تختبئ خلف هذه الكنية هي الخيط الذي يشده إلى الضوء، الحبل الذي يصله بسعادته مهما ابتعد.
ردّ بصوتٍ دافئٍ يفيض حنانًا /هلا وغلا بحبيبة خالد… أهلين بصعبة المنال… أهلين باللي ملكت قلبي.
ضحكت أماني بهدوءٍ رقيق، وقالت بنبرةٍ مازحة /مشكور على الترحيب… so أهلين بيك يا خالد.
وشددت على اسمه بمراوغةٍ لطيفة، تعرف تمامًا كيف تثيره وتدلله في آنٍ واحد دون ان تتمادى.
ردّ بخيبة أملٍ مصطنعة /أفااا… وش هالرد البارد؟ أهون عليك يعني؟
قالت أماني بمزاحٍ واضح /اعققق… يلا يلا اتسنع، أحسن ما أسكر بوجهك.
ضحك بخفة، وقال مستسلمًا /خلاص خلاص… كلّه ولا زعلك وانزعاجك.
ساد صمتٌ قصير بينهما، صمتٌ محمّلٌ بما لم يُقل.
ثم أردف بنبرته الرجولية الساحرة، التي تعرف طريقها إلى قلبها /أماني… تدرين إني أحبك.
أجابت، وكأنها لا تعلم مقصدَه خلف هذه العبارة، و بصوتٍ هادئ /همم… أدري.
قال بصدقٍ أعمق /وتدرين إني أعشقك، وأبيك تكونين حلالي.
/همم… وبعدين؟
كان صوتها هذه المرة أقل مرحًا، وأكثر ترقبًا.
قال بجديةٍ واضحة، وقد تبدلت ملامحه /أماني، أتكلم عن ردك على خطبتي لك. ليش ما أحد من أهلك رد لي خبر؟ ليالي وأنا أنتظر، وأقول بكرا الفرج… بس كل يوم أكون غلطان. أماني، حبيتك… وما أبي نبقى كذا مثل اللصوص. أبيك بالحلال، قدام كل الناس.
ردت بانزعاجٍ خفيف، يخفي خلفه الكثير والكثييير/إيوه إيوه… أنت تبي، بس مين قال إني أنا أبي هالشي أو لا؟
تغيرت ملامحه إلى عدم تصديق، وقال /كيف؟ إيش تقصدين؟ ما فهمت؟
قالت بجديةٍ واضحة، وقد أسقطت نبرة المزاح تمامًا /اللي سمعته. لسا ما قررت… وأنت إذا تبيني من جد، لازم تنتظر.
صمت
لم يقل شيئًا
بقي واقفًا مكانه، والهواء يمرّ حوله ببرودٍ مفاجئ، قبل أن يسمع صوت إنهاء المكالمة.
أغلقت أماني الخط في وجهه
تنهد بهدوء…
أعاد الهاتف إلى جيبه، ورفع رأسه قليلًا نحو السماء، كمن يبتلع خيبته في صمت.
سينتظر…
وسينتظر، حتى وإن انتظر إلى آخر عمره.....