الفصل 3 : ظلال خلف الباب
لم يكن الطريق إلى جناحها طويلاً… لكنه بدا أثقل من أي ممر عبرته في حياتها.
افترق عنها الأمير عند نهاية الرواق دون كلمة وداع.
قال فقط ببرود:
"ابقَي في غرفتكِ. لا تفتحي الكتاب."
ثم اختفى بين الظلال.
دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها إليه لحظة. كان كل شيء في مكانه… هادئاً أكثر مما ينبغي.
تقدّمت نحو الطاولة، فتوقفت فجأة.
هناك، فوق الخشب الداكن… كان خاتم فضي لم يكن موجوداً من قبل.
اقتربت ببطء.
الرمز المنقوش عليه… هو نفسه الذي في الكتاب.
قبضت عليه، وشعور بارد تسلل إلى صدرها.
كيف دخل أحدهم إلى هنا؟
طرقٌ خفيف على الباب قطع أفكارها.
"آنستي؟" صوت خادمتها.
أخفت الخاتم بسرعة، ثم فتحت.
دخلت الخادمة بوجه متوتر.
"الحراس يفتشون الأجنحة… يقولون إن أحداً كان في المكتبة."
حاولت أن تبقى هادئة.
"وهل يظنون أنني كنت هناك؟"
خفضت الخادمة صوتها:
"اسمك ذُكر في المجلس."
تجمّدت.
وقبل أن تسأل، دوّى طرق قوي على الباب.
"باسم المجلس الملكي… افتحي!"
شدّت قبضتها داخل جيبها حيث الخاتم.
هذه المرة… لن يكون الهروب سهلاً.
تبادلت هي والخادمة نظرة سريعة قبل أن تتجه نحو الباب.
فتحت.
دخل أربعة حراس يتقدمهم ضابط بملامح جامدة.
لم ينحنِ. لم يعتذر.
"أمر بتفتيش الجناح."
تنحّت جانباً بصمت، تحاول أن يبدو وجهها هادئاً.
بدأوا يقلبون المكان: الأدراج، الخزانة، حتى الوسائد.
كل حركة كانت كأنها صفعة على أعصابها.
الخادمة وقفت في زاوية الغرفة، شاحبة.
توقف أحد الحراس فجأة عند مكتبها.
"سيدي."
تقدّم الضابط.
على سطح المكتب، تحت مجموعة أوراق، كان هناك ظرف أسود لم تره من قبل.
تجمّدت.
فتح الضابط الظرف ببطء.
أخرج منه ورقة مختومة بختم ملكي مزوّر… وخريطة صغيرة لممرات القصر السرية.
رفع عينيه إليها.
"هل تودين أن تشرحي هذا؟"
شعرت ببرودة تسري في أطرافها.
"هذا ليس لي."
"وُجد في جناحكِ."
اقترب خطوة.
"وهذه الممرات… لا يعرفها إلا أفراد العائلة الملكية."
صمت ثقيل ملأ الغرفة.
نظرت إلى الخريطة… ثم إلى الخاتم في جيبها.
شيء ما كان يُحاك ضدها.
قال الضابط بصرامة:
"ستأتين معنا إلى المجلس للتحقيق."
الخادمة شهقت بهدوء.
في تلك اللحظة، أدركت أمراً واحداً:
من وضع الظرف هنا…
يعرف تماماً ماذا يفعل.
وقبل أن تتحرك، سُمعت خطوات أخرى في الرواق.
صوت تعرفه.
توقف الضابط، والتفت نحو الباب.
الأمير.
دخل بهدوء، نظرته سريعة على الغرفة… ثم على الظرف في يد الضابط.
لم يبدُ متفاجئاً.
بل بدا… غاضباً.
لكن ليس منها.
دخل الأمير بخطوات ثابتة، ونظر أولاً إلى الظرف في يد الضابط، ثم إليها.
"ما الذي يحدث هنا؟" سأل بصوت هادئ… أكثر هدوءاً مما ينبغي.
انحنى الضابط قليلاً.
"وُجدت خريطة للممرات السرية في جناحها، سموّ الأمير."
مدّ الأمير يده دون استعجال.
أخذ الخريطة.
تأملها لحظة.
ثم قال ببرود:
"هذه ليست كاملة."
تجمد الضابط.
"سيدي؟"
"النسخة الأصلية تحتوي على ثلاثة ممرات إضافية. هذه خريطة ناقصة… ومزوّرة."
نظر الضابط إلى الورقة بارتباك.
أما هي… فكانت تنظر إليه بدهشة.
كيف يعرف ذلك بهذه الدقة؟
أعاد الأمير الخريطة إلى الضابط.
"إن كنتم تبحثون عن خائن، فابحثوا عن شخص يعرف الممرات… ويحاول اتهام من لا يعرفها."
صمت ثقيل خيّم على الغرفة.
ثم أضاف:
"إن أخذتموها الآن، ستُثيرون شبهة بلا دليل حقيقي. وهذا سيضعف موقف المجلس."
لم يقل: هي بريئة.
لم يقل: أصدقها.
كان يتحدث بمنطق سياسي بارد.
لكن النتيجة واحدة.
تردد الضابط… ثم انحنى.
"سننسحب مؤقتاً، سموّ الأمير."
خرج الحراس ببطء.
أُغلق الباب.
سادت الغرفة لحظة صمت ثقيل.
استدارت نحوه فوراً.
"لماذا فعلت ذلك؟"
نظر إليها طويلاً.
"لأن من وضع هذه الخريطة هنا… أراد أن تُؤخذي الليلة."
اقترب خطوة.
"وهذا يعني أنكِ أخطر مما ظننت."
لم يكن في صوته امتنان.
ولا لطف.
فقط حقيقة قاسية.
وأضاف:
"ومن يحاول إسقاطك… لن يتوقف."
ثم استدار نحو الباب.
وقبل أن يخرج، قال دون أن يلتفت:
"من الآن فصاعداً… لا تثقي بأحد."
وتوقف لحظة قصيرة.
"حتى بي."