الفصل 32
في الليل و كما جرت عادتها جلست سما على المقعد العالي عند البار في الحانة تحدق في الفراغ كأن الضجيج من حولها لا يعنيها الكأس أمامها يلمع تحت الأضواء الخافتة و قطراته تنزلق ببطء على الزجاج بينما أصابعها تدور حول الحافة دون أن ترفعه على يمينها جلست زينب الفتاة التي تعرفت عليها بين جدران هذه الحانات
روح متعبة أخرى تشبهها كثيرا ملامحها جميلة لكنها منهكة و عيناها تحملان ذلك الانكسار الذي لا يخطئه أحد
حياة زينب لم تكن أقل قسوة فهي بلا عائلة بلا سند و كل ما تملكه في هذه الدنيا رجل أحبته حتى آخر حدودها لكن عائلته لم تقبلها يوما و كأنها وصمة لا تليق باسمهم و مع ذلك بقيت متمسكة به كالغريق الذي يرفض ترك آخر خيط نجاة
كانت الموسيقى تصدح بإيقاع صاخب يهز الأرض تحت أقدام الراقصين و مع كل نبضة كانت الفتاتان تحاولان الهرب من واقعهما بالضحك و السخرية نهضتا تترنحان نحو ساحة الرقص تلوحان بأيديهما في الهواء و تضحكان بصوت عالي ضحك لا يشبه الفرح بقدر ما يشبه التحدي كأنهما تقولان للعالم إنهما ما زالتا قادرتين على الوقوف رغم كل شيء
"شايفة يا سما نحنا صرنا محترفات بهالمكان"
قالتها زينب و هي تدور حول نفسها ثم تميل على كتف سما ضاحكة
ابتسمت سما ابتسامة باهتة و رفعت كأسها قليلا قبل أن تشرب
"اي والله لو بيعطونا شهادة خبرة كان اخدنا مرتبة الشرف"
انفجرتا بالضحك مجددا لكن الضحك لم يخفي ذلك الفراغ العميق في أعينهما عادت سما إلى البار و جلست بثقل بينما أسندت مرفقيها على الخشب البارد تنظر إلى انعكاس وجهها في الزجاج كأنها تحاول التعرف على تلك النسخة الجديدة منها
زينب كانت أول شخص تسمح له سما برؤية هذا الجانب المظلم منها أول من تشاركه تعاستها دون أقنعة لم تسألها يوما لماذا تغيرت و لم تطلب تفسيرا كانت فقط تجلس إلى جانبها تشرب معها تضحك معها و تبكي أحيانا بصمت و كأنها تقول لها إن الانكسار حين يُقسم بين اثنين يصبح أخف قليلا
خرجن من الحانة بعد وقت طويل.. في عمق الليل و البرد الخفيف يلامس وجهيهما بينما خفتت أصوات الموسيقى خلف الباب المغلق كانت سما قد أخبرت رين مسبقا ألا تأتي لاصطحابها هذه الليلة قرار اتخذته بهدوء و كأنه تفصيل عابر
لكنها لم تدرك أن عيونًا أخرى كانت تترقب المشهد المعتاد في الوقت الذي كان من المفترض أن تُرى فيه و هي تصعد إلى سيارة رين لم يحدث شيء وقفت الدقائق ثقيلة ثم جاء الاتصال ذلك الرجل الذي يراقبها منذ مدة نقل الخبر بصوت مقتضب إلى قيس فتفاجأ الأخير و اشتدت ملامحه هل يُعقل أنها تحاول قطع صلتها برين فقط لتتفادى لقاءه أم أن هناك أمرا آخر يتشكل في الخفاء
أما سما فابتعدت خطوات قليلة عن الحانة برفقة زينب ثم اتجهتا نحو منتزه قريب تكسوه العتمة و أضواء الأعمدة الصفراء الخافتة جلسـتا على العشب البارد تحت شجرة عتيقة فأسندت سما ظهرها إلى الجذع الخشن و أغمضت عينيها للحظة كأنها تستمد منه ثباتا افتقدته منذ زمن بينما تمددت زينب إلى جانبها ثم انزلقت برأسها لتستقر في حضنها تنظر إلى السماء الصامتة كانت أنفاسهما بطيئة و إيقاع الليل من حولهما أكثر رحمة من ضجيج الحانة
حركت سما أصابعها في خصلات شعر زينب بشرود و عيناها معلقتان بفراغ بعيد لم تنظر إلى صديقتها حين بدأت الكلمات تتسلل من بين شفتيها بصوت خافت مثقل
"اليوم شفتو…"
تصلبت زينب قليلا في حضنها لكنها لم تقاطعها فاكتفت برفع يدها تمسك طرف معطف سما كأنها تستعد لسماع شيء تعرف أنه سيؤلم
تنهدت سما بعمق و مال رأسها إلى الخلف على جذع الشجرة قبل أن تتابع
"كنت رايحة لعند رين… بس شفتو كان هنيك… شفتو واقف كأنو ما تغير شي"
سكتت لحظة و ابتسمت ابتسامة موجوعة لا تُرى إلا في نبرة صوتها
"نفس النظرة… نفس الطريقة… كأنو الشهرين ما غيروه"
رفعت زينب رأسها قليلا لتتطلع إلى وجهها فرأت ذلك الصراع الصامت في عينيها فتمتمت بهدوء
"و حكيتي معو؟"
أغلقت سما عينيها بقوة و كأن السؤال أعادها إلى اللحظة نفسها ثم همست
"جبرني… متل العادة"
عادت تسند رأسها إلى الشجرة بينما ظلّت يدها تتحرك آليًا فوق شعر زينب و تابعت بصوت أخفت فيه ارتجافها
"بقهرني كثير انه مفكر إنو إلو الحق يتحكم فيني… يسألني… يحاسبني… و كأنو… و كأنو الي بيناتنا ما مات"
ساد الصمت بينهما لحظات طويلة لم يقطعه سوى صوت أوراق الشجرة و هي ترتجف مع نسمة ليلية باردة شدّت زينب قبضتها على معطف سما أكثر و قالت بنبرة حازمة تخفي خوفها
" طيب.. وانتي؟ الي جواتك مات؟"
لم تجب سما مباشرة فتحت عينيها و نظرت إلى السماء كأنها تبحث عن إجابة مكتوبة بين النجوم لكن كل ما خرج منها كان همسا ضعيفا
"كان من المفترض يموت…"