الوداع الاخير 😓😓
الفصل الرابع: الوداع الأخير
كان الشتاء قد أحكم قبضته على المدينة، وتحولت السماء إلى لوحة رمادية باهتة لا تعرف الابتسام. في تلك الغرفة الصغيرة، كان الوقت يمرّ ثقيلاً كأنه جبلٌ من الرصاص. "ليال" لم تعد تغادر سريرها؛ ليس لأنها مريضة جسدياً فحسب، بل لأن روحها قد حزمت أمتعتها واستعدت للرحيل إلى حيثُ ذهب هو. كانت تنظر إلى سقف الغرفة وتعدّ الشقوق، وكأنها تقرأ فيها خريطة لحياةٍ كانت مليئة بالألوان، قبل أن يسكب عليها القدر محبرة الحزن السوداء.
في ليلةٍ اشتد فيها صقيع كانون، قامت ليال بجهدٍ جهيد. جرت جسدها النحيل نحو المرآة للمرة الأخيرة. لم تبكِ، فقد جفت منابع الدموع في عينيها منذ زمن، ولم يبقَ سوى الملوحة التي حفرت أخاديد غير مرئية على وجنتيها. مشطت شعرها بهدوء، وارتدت فستانها الأبيض الذي كان يحبه، ذلك الفستان الذي شهد ضحكاتهما في يومٍ بعيد، يوم كانت الشمس تشرق من قلوبهما لا من الأفق.
جلست على مقعدها الخشبي المعتاد، وأخرجت الصندوق. فتحته هذه المرة، ونثرت الرسائل حولها كأنها بتلات زهور ذابلة. أمسكت بالقلم بيدٍ مرتعشة، وكتبت كلماتٍ قليلة في ورقة صغيرة: "لم يكن الفراق هو ما قتلني، بل كانت التفاصيل التي ترفض أن تموت معك. اليوم، أتصالح مع غيابك، وأذهب لأبحث عنك في زحام الأرواح.. انتظرني عند عتبة السماء، فقد تعبتُ من كوني وحيدة في زحام الأرض."
أغمضت عينيها، واستندت برأسها إلى الوراء. شعرت ببرودة تتسلل إلى أطرافها، لكنها كانت برودة مريحة، برودة تنهي حرق الأنين الذي نهش صدرها لشهور. بدأت صور الماضي تمر أمام مخيلتها كشريط سينمائي سريع: ضحكته، لمسة يده، صوته وهو ينادي اسمها، رائحة المطر في أول لقاء.. كل تلك الذكريات كانت تبتسم لها الآن، وكأنها تفتح لها باباً للخروج من سجن الألم.
ومع بزوغ أول خيط من ضياء الفجر، ساد صمتٌ مطلق في الغرفة. لم يعد يُسمع سوى صوت الريح وهي تداعب الستائر برفق. كانت ليال لا تزال جالسة، رأسها مائل قليلاً، ويدها تحتضن آخر رسالة كتبتها. كانت ملامحها هادئة بشكلٍ مرعب، وكأنها أخيراً وجدت السلام الذي بحثت عنه طويلاً. لقد انطفأت الشمعة التي صمدت في وجه العواصف، ورحلت ليال تاركةً خلفها غرفتها الباردة، وصندوق رسائلها، وقصة حزنٍ لن يمحوها الزمن.
انتهت الحكاية، ولم يبقَ سوى صدى الضحكات المنسية يتردد في أركان البيت الخالي، شاهدةً على قلبٍ أحبّ بصدق، وانكسر بصمت، ورحل بكرامة الوجع.