امرأة خارج التاريخ - الفصل السادس: حين يتكلم الماضي - بقلم اشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: امرأة خارج التاريخ
المؤلف / الكاتب: اشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السادس: حين يتكلم الماضي

الفصل السادس: حين يتكلم الماضي

تعلمت منذ زمن بعيد أن أفضل مكان للاختباء… هو الضوء. الناس لا يشكون كثيرًا في الأشياء الواضحة، ولا يبحثون عن الأسرار داخل قاعة محاضرات مضاءة جيدًا، حيث تقف أستاذة تاريخ بهدوء وتشرح سقوط العصور كما لو أنها مجرد فصول من كتاب قديم. في صباح اليوم التالي، وصلت إلى الجامعة أبكر من المعتاد. هذه المرة لم يكن الأمر انضباطًا فقط… كان حاجة خفية إلى استعادة الإيقاع الذي أعرفه جيدًا. الروتين كان دائمًا حليفًا موثوقًا، يغطي على الفوضى التي قد تتحرك أحيانًا تحت السطح. دخلت القاعة وهي لا تزال فارغة. وضعت حقيبتي، رتبت أوراقي ببطء متعمَّد، ثم وقفت لحظة أحدق في المقاعد الصامتة. كان في صدري ذلك الهدوء الحذر الذي يسبق العواصف الصغيرة… العواصف التي لا يلاحظها أحد غيري. بدأ الطلاب بالدخول تدريجيًا، ومعهم عاد ذلك الضجيج الخفيف المألوف: همسات، كراسٍ تُسحب، دفاتر تُفتح على عجل. حياة طبيعية… مؤقتة… سريعة. مررت بصري بينهم مرورًا عاديًا مدروسًا. وكان هناك. زيد. جلس هذه المرة في الصف الثالث، لا في المقدمة ولا بعيدًا بما يكفي ليختفي. بدا منشغلًا بفتح دفتره، يكتب شيئًا سريعًا كأي طالب يحاول أن يبدو منتبهًا. لو لم أكن أعرف ما أعرفه… لمرّ وجوده كأي وجه آخر. وهذا كان جيدًا. استدرت نحو اللوح قبل أن يطول نظري أكثر مما ينبغي، وكتبت بخط ثابت: أوروبا في القرون الوسطى — القرن الرابع عشر توقفت الطباشير لحظة قصيرة جدًا بين أصابعي. لحظة واحدة فقط… ثم تابعت. استدرت نحوهم وبدأت المحاضرة بنبرتي الأكاديمية الهادئة: "القرن الرابع عشر لم يكن مجرد مرحلة زمنية عابرة… بل كان واحدًا من أكثر القرون اضطرابًا في التاريخ الأوروبي." بدأت أمشي ببطء محسوب بين الصفوف، كما أفعل دائمًا عندما أريد أن أبقي انتباههم معلقًا. "تخيلوا أن تستيقظ مدينة كاملة كل صباح… وهي لا تعرف من سيبقى حيًا حتى المساء." ساد الصمت، كما توقعت. تابعت بهدوء أعمق: "الطاعون لم يكن مجرد مرض… كان تجربة وجودية قاسية. الناس لم يخافوا الموت فقط… بل بدأوا يشكون في معنى الحياة نفسها." لجزء صغير جدًا من الثانية، ارتفع بصري دون قصد نحو الصف الثالث. كان زيد يكتب الآن… بسرعة. ليس نظرته أمس. ولا تركيزه الصامت. فقط يكتب. ومع ذلك… لم أكن مرتاحة تمامًا. واصلت الشرح دون أن يتغير صوتي: "في تلك الفترة، تغيّر كل شيء تقريبًا: الاقتصاد، المجتمع، حتى نظرة الإنسان إلى القدر." اقتربت من النافذة، ولامس الضوء الرمادي طرف المكتب. وفي لحظة خاطفة… عاد إليّ ذلك الإحساس القديم. حجر بارد… هواء ثقيل… وأجراس بعيدة أعرف صوتها أكثر مما ينبغي. شدَدت أصابعي قليلًا خلف ظهري. لكنني لم أتوقف. تعلمت منذ زمن بعيد كيف أُكمل الحديث بينما الماضي يحاول أن يفتح الأبواب المغلقة. قلت بهدوء ثابت: "ولهذا، عندما ندرس القرون الوسطى، لا يجب أن نراها فقط كتواريخ وأحداث… بل كحياة عاشها أناس كانوا يظنون أن النهاية تقترب كل يوم." رفعت الطباشير عن اللوح. الصمت كان عميقًا بما يكفي. ابتسمت ابتسامتي المهنية المعتادة وقلت: "في المحاضرة القادمة… سندخل إلى قلب تلك المرحلة أكثر." ثم أضفت، قبل أن أفكر إن كان يجب أن أقولها: "هناك… حيث بدأ كل شيء يتغير." رنّ الجرس، وبدأ الطلاب بالمغادرة كالمعتاد. أوراق تُجمع. حقائب تُغلق. حياة تعود إلى سرعتها الطبيعية. مرّ زيد قرب المكتب دون أن يتوقف. لكن عندما صار بمحاذاتي تمامًا… رفع نظره نحوي لحظة قصيرة جدًا. وأومأ برأسه باحترام بسيط. ثم خرج. بقيت وحدي في القاعة بعد أن فرغت، أحدق في العبارة المكتوبة على اللوح. القرن الرابع عشر. تنفست ببطء. لأنني كنت أعرف شيئًا واحدًا بوضوح مؤلم… المحاضرة القادمة لن تكون درسًا لهم فقط. بل… عودةً لي.