عبور بلا عودة - الفصل 2: عندما تلاقت الارواح - بقلم عبور بلا عودة | روايتك

اسم الرواية: عبور بلا عودة
المؤلف / الكاتب: عبور بلا عودة
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 2: عندما تلاقت الارواح

الفصل 2: عندما تلاقت الارواح

ارتجفت أصابعها وهي تحدّق في الصفحة المفتوحة أمامها. الحبر لم يكن جافاً… كان ما يزال يتكوّن. ظهرت الكلمات ببطء، وكأن قلماً غير مرئي يخطّها أمام عينيها: “دخل الآن.” تجمّد نفسها. باب المكتبة انفتح ببطء، وصوت احتكاك الخشب العتيق اخترق السكون. لم تحتج أن تلتفت لتعرف من هناك. شعرت به… قبل أن تراه. خطواته كانت ثابتة، هادئة، لا تحمل تردداً. التفتت ببطء. الأمير. وقف عند المدخل، عيناه السوداوان تلمعان في ضوء الشموع. لم يبدُ متفاجئاً. لم يبدُ غاضباً. كان ينظر إليها وكأنه انتظر هذه اللحظة طويلاً. قال بصوت منخفض لكنه واضح: “أخيراً… وجدتك.” تراجعت خطوة، والكتاب ما يزال بين يديها. “كيف عرفت أنني هنا؟” لم يجبها مباشرة. اقترب، حتى صار ضوء الشموع يكشف ملامحه الحادة. كان وجهه أكثر صلابة مما تذكّرت، نظراته عميقة، كأنها تحمل قروناً من التعب. “لأنك كنتِ دائماً هنا.” قالها كحقيقة لا تقبل النقاش. انخفض نظره إلى الكتاب بين يديها. وفي تلك اللحظة، انقلبت صفحة وحدها. ظهر سطر جديد: “ستحاولين الهروب منه… لكنه الوحيد القادر على إنقاذك.” اتسعت عيناها. رفع الأمير رأسه ببطء، وكأنه قرأ الجملة دون أن يلمس الكتاب. “لقد بدأ يكتب من جديد… أليس كذلك؟” “ماذا تقصد؟” همست. اقترب خطوة أخرى، ثم أزاح معطفه قليلاً ليكشف عن صدره. هناك، فوق قلبه، كان نفس الرمز محفوراً في جلده… كجرح قديم لم يلتئم. “منذ كنت طفلاً، وأنا أراكِ في أحلامي.” توقف لحظة، وصوته أصبح أخفض. “كل مئة عام… تعودين.” ارتجف قلبها. “أنا لا أعرفك.” “لكن روحك تعرفني.” فجأة، اهتزّت المكتبة. انطفأت بعض الشموع، وتحركت الكتب فوق الرفوف كأن ريحاً خفية ضربتها. ومن الظلال، دوّى صوت عميق: “لقد كُسرت الأختام… اللعنة بدأت من جديد.” شحب وجه الأمير. “لقد شعر بنا.” “من؟!” صرخت. لكن قبل أن يجيب، انفتح أحد النوافذ بقوة، ودخل سهم أسود ليستقر في الرف خلفها. أمسك الأمير بذراعها بسرعة وجذبها نحوه. “لم يعد لديك وقت لتشكي بي.” انقلبت صفحة أخرى في الكتاب. “إما أن تثقي به الآن… أو تموتين قبل شروق الشمس.” نظرت إليه، ثم إلى الرمز فوق صدره… ثم إلى الكتاب الذي يكتب مصيرها. وللمرة الأولى، أدركت شيئاً مرعباً— لم يكن الخطر هو القصر. ولا الحراس. ولا حتى اللعنة. الخطر الحقيقي… هو أن قلبها بدأ يصدّقه. أمسك بمعصمها فجأة، بقوة لم تترك لها مجالاً للاعتراض، وجرّها خلفه عبر الممر المظلم، بينما كانت تحاول مجاراة خطواته السريعة وقلبها يركض قبل قدميها. الظلام ابتلع الممر، لكن خطواته كانت ثابتة، تجرّها خلفه بلا رحمة. كان يجرّها بسرعة، لكنها كانت تلاحقه، قلبها يركض قبل قدميها، وأنفاسها تتسارع مع كل خطوة. أغلق الباب الحجري خلفهما بصوتٍ دوّى في القاعة القديمة، وصدى الصمت كاد أن يبتلعها. كانت الغرفة مهجورة، الغبار يرقص في الضوء الخافت، والسلاسل الصدئة معلّقة من السقف وكأنها شهادات على الزمن الضائع. أفلتت يدها أخيراً، وسحبت ذراعها بعيداً، لكن لم تبتعد عن حضنه. “لماذا تساعدني؟” همست، صوتها يرتجف بين الخوف والفضول. وقف على بعد خطوة، صدره يعلو وينخفض بهدوء، عيناه السوداوان تتبعها بدقة. لم يكن خوفه من القصر… بل من شيء أكبر، شيء لم تفهمه بعد. “لان موتك سوف يدمّر كل شيئ.” قالها بصوت منخفض، لكنه ثقيل بالمعنى. تجمّدت، محاولة استيعاب الكلمات. "ماذا تقصد؟” همست مرة أخرى. لم يجبها مباشرة. اقترب خطوة، وكشف ضوء خافت من الجرح على صدره… نفس الرمز الذي رأته محفوراً في زنزانتها. قلبها تخبط بشدة. “أنتِ… البداية.” قالها بصوت يكاد يكون همساً، لكنه اختصر كل شيء: الخطر، اللعنة، المصير. التفتت إلى الكتاب بين يديها. فجأة، بدأ الحبر يتحرك، الكلمات تظهر ببطء على الصفحة: “لم تهربي… بل اقتربتِ من النهاية.” تجمّدت، وعينيها التقت بعينيه. هذه المرة، لم يكن الخوف من الظلام. بل من الحقيقة… التي لم يكن مستعداً ليكشفها بعد. لم تمضِ سوى دقائق حتى سمعوا أصوات خطوات تقترب بسرعة، صدى الحراس يتردد في الممر الطويل. “يجب أن نتحرك!” قال بصوت منخفض، جذبه سريعًا إلى زاوية مظلمة. الظل الطويل للممر غطاهما، لكن القاعة لم تكن فارغة كما اعتقدت. هناك، في الزاوية المقابلة، تحرك شيء… شكل غامض، يراقبهم بصمت. ارتجفت، وأمسكت بالكتاب بقوة، ورأت الكلمات تتحرك من تلقاء نفسها: “اللعنة بدأت من جديد.” صوت الحراس اقترب أكثر، والهواء أصبح ثقيلاً، الرطوبة تتسرب إلى رئتيها. وقف بجانبها، يهمس فقط: “تمسكي بالكتاب… كل خطوة الآن تحدد مصيرك.” وبينما كان يجرّها عبر الممرات المظلمة، أدركت أن هذا الهروب ليس سوى بداية سلسلة من الفخاخ والمخاطر… وأن أي خطأ صغير يمكن أن يقودها مباشرة إلى نهايتها. اقتربت خطوات الحراس من الباب. تجمّدت في مكانها، وقبضت على الكتاب بقوة. همست بحدة: "هذا كلّه بسببك. لو لم تأتِ إلى زنزانتي لما حدث شيء." التفت إليها بنظرة باردة. "لو لم تفتحي الكتاب لما كنتِ هنا الآن." ارتفع صوت اصطدامٍ بالخارج. أحد الحراس بدأ يدفع الباب. أمسك بذراعها من جديد، لكنها هذه المرة سحبت يدها بعنف. "لا تلمسني!" قالت بصوتٍ منخفض لكنه مليء بالغضب. "أنت لا تقول الحقيقة. أنت تعرف أكثر مما تخبرني." اقترب خطوة، عيناه حادتان في الضوء الخافت. "وأنتِ لا تفهمين حجم ما فعلتِ." ضُرب الباب بقوة. الخشب اهتز. لم يعد هناك وقت للجدال. نظر سريعاً حوله، ثم أمسك بطاولة ثقيلة ودفعها أمام الباب لتعيقه. التفت إليها: "هناك ممر خلف الرفوف. تحركي." لم تتحرك. "لن أهرب معك حتى تخبرني لماذا يريدونني." تقدّم نحوها بسرعة، خفّض صوته لكنه كان مشحوناً: "لأن اسمك ظهر في الكتاب قبل سنوات… قبل أن أولد أنا حتى." تجمّدت. ضربة أخرى على الباب. الخشب بدأ يتشقق. اقترب منها أكثر، هذه المرة دون أن يمسكها، لكن نظرته كانت كافية لتجبرها على الإصغاء. "الأمر لا يتعلق بي… ولا بكِ فقط. القصر كله مبني على سرّ مرتبط بكِ." لم يكن في صوته دفء. ولا طمأنينة. كان يقول الحقيقة… لكنه لم يكن لطيفاً بها. انكسر جزء من الباب، وامتدت يد حارس عبر الفتحة. شدّها أخيراً من يدها رغم مقاومتها. "إن بقيتِ دقيقة أخرى ستُقتلين. وبعدها يمكنكِ كرهِي كما تشائين." ترددت لحظة… ثم تبعته. دفع أحد الرفوف جانباً، فظهر ممر ضيق خلفه. دخلا بسرعة، وأعاد الرف إلى مكانه قبل أن يندفع الحراس إلى الداخل. ركضا في الظلام. أنفاسها متسارعة، وقلبها يخفق بعنف. قالت وهي تركض خلفه: "إن كنتَ تكذب عليّ… سأجعلك تندم." أجاب دون أن يبطئ: "وإن كنتِ السبب في سقوط هذا القصر… فلن أتردد في إيقافك." الصمت بينهما كان أثقل من الظلام. هما معاً… لكن ليس في صفٍ واحد بعد. توقّفا معاً. وقف عند المخرج حارس واحد فقط. لم يكن يرتدي درعاً ثقيلاً مثل القادة، لكن سيفه كان مسلولاً، وعيناه ثابتتان عليهما. عرفته فوراً. كان هو الحارس الذي كان يقف أمام زنزانتها في الليالي الماضية… والذي لم ينظر إليها أبداً مباشرة. لكن الآن… كان ينظر. قال بصوتٍ متوتر: "توقّفا." شدّ الأمير قبضته على سيفه، ووقف أمامها كعادته. "ابتعد." ترددت الفتاة خطوة إلى الخلف، لكن عيني الحارس لم تكونا موجهتين نحو الأمير… بل نحوها. لم يكن فيهما غضب. كان فيهما شيء آخر… ارتباك واضح. قال الحارس بصوت أخفض: "لو تقدمتما أكثر… سأُجبر على القتال." ردّ الأمير ببرود: "إذن افعل." لم يتحرك الحارس. نظر إليها مرة أخرى، كأنه ينتظر منها شيئاً. همست للأمير بحدة: "لا تهاجمه." التفت إليها باستغراب وغضب: "إن لم أفعل، سيقبض علينا." قالت وهي تتقدم نصف خطوة، رغم اعتراضه: "هو لم يطلق الإنذار." صمت ثقيل سقط بينهم. في الخارج، كانت أصوات الحراس الآخرين تقترب… لكن هذا الحارس لم يصرخ، لم يستدعهم. تقدّم خطوة ببطء، سيفه ما يزال مرفوعاً، لكن يده لم تكن ثابتة. قال لها دون أن ينظر للأمير: "ارجعي إلى جناحكِ… سأقول إنني لم أركِ." اشتدت نظرة الأمير. "لا تثقي به." رفعت عينيها نحو الحارس مباشرة. لأول مرة لم يشيح بنظره. "لماذا؟" سألته بهدوء. صمت لحظة… ثم قال: "لأنهم لن يرحموكِ." الكلمات خرجت أسرع مما أراد. أدرك ما قاله… وتوترت ملامحه. اقترب الأمير خطوة، صوته منخفض لكنه حاد: "اختر الآن. إما أن تبتعد… أو تكون عدواً." كان الحارس بين خيارين. واجبه… أو شيء بدأ يتكوّن داخله دون إذن. شدّ على سيفه… ثم أنزله ببطء. تحرّك جانباً، مفسحاً الطريق. لكن قبل أن تمرّ، قال بصوت خافت يكاد لا يُسمع: "لا تثقي بأحد داخل هذا القصر… حتى به." نظرت إليه لحظة طويلة. ثم شدّها الأمير من يدها ومضى بها دون كلمة أخرى. وهي تبتعد… شعرت أن تلك النظرة لن تكون الأخيرة بعد أن ابتعدا عن الممر، سحبها الأمير نحو درج جانبي يقود إلى الأروقة الخلفية للقصر. قال ببرود: "سنعود إلى جناحك. وجودك خارجه الآن سيزيد الشبهات." نظرت إليه بغضب مكبوت. "وأنت؟" "سأجد عذراً." لم يكن صوته دافئاً… بل عملياً. تسللت إلى جناحها من بابٍ خلفي كانت الخادمات يستعملنه قديماً. قبل أن يدخلها، توقف. "لا تفتحي الكتاب الليلة." قالها كأمر. رفعت ذقنها بعناد. "لا تأمرني." لم يجب. فقط نظر إليها نظرة طويلة، ثم استدار واختفى في الظل. أغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها إليه. الصمت. غرفتها كانت كما تركتها… لكن شيئاً ما لم يكن طبيعياً. الستارة تتحرك، رغم أن النوافذ مغلقة. تقدمت ببطء. وجدت شيئاً على طاولتها. خاتم. لم يكن لها. خاتم فضي يحمل نفس الرمز الذي في الكتاب. تجمدت. كيف دخل أحدهم؟ سمعت طرقاً خفيفاً على الباب. "آنستي؟" كان صوت خادمتها. أخفت الخاتم بسرعة داخل جيبها، وفتحت الباب. دخلت الخادمة وهي تبدو شاحبة. "الحراس يفتشون الأجنحة… يقولون إن هناك من تسلل إلى المكتبة." تظاهرت بالهدوء. "ولماذا تخبرينني؟" خفضت الخادمة صوتها: "لأن اسمك ذُكر في مجلس الليلة." توقف قلبها لحظة. "ماذا قالوا؟" "قالوا إن الفتاة التي يحمل الكتاب… لن يُسمح لها بمغادرة القصر." صمت ثقيل. قبل أن ترد، سُمعت جلبة في الرواق. خطوات عديدة تتوقف أمام بابها. تبادلَت هي والخادمة نظرة سريعة. ثم… طرق قوي على الباب. "افتحي باسم المجلس الملكي!" يدها انزلقت نحو جيبها حيث الخاتم. لم يكن الأمر مجرد هروب بعد الآن. كانوا يعرفون.