الفصل 4
" the writer Aridj "
.
.
.
تقدّم كنان نحو إخوته بخطواتٍ مثقلة، كأنّ الأرض تشدّ قدميه إلى أسفل، وكأن الهواء صار أثقل من أن يُستنشَق. كان يتنفّس كما لو أنّه يجمع شتات روحٍ تناثرت بين التراب والسماء. مدّ بصره إلى القبر، ثم قال بصوتٍ مبحوح اختلط فيه الرجاء بالأمر، وبحشرجةٍ حاول أن يخفي بها انكساره /ھيا متعذبوھاش في قبرھا نوضو خليونا نروحو ھيا
الترجمة الى العربية /هيا، لا تعذّبوها في قبرها، انهضوا دعونا نذهب، هيا.
لكن كأنّ الكلمات سقطت عند أقدامهما قبل أن تبلغ سمعهما.
لم يتحرّكا
لم يرمشا
لم يلتفتا
كانت ميسون تتكئ على قبر والدتها، تُلصق خدّها بالتراب كأنها تحاول أن تسمع نبضًا أخيرًا من تحت الثرى. أما مؤيد فكان يستند إلى كتفها، يده مغروسة في التراب، أصابعه متشبّثة بحبيباته كما لو أنّه إن شدّ بقوةٍ كافية سيعيد أمّه من عمق الغياب.
دموعهما تنهمر ببطءٍ موجع، بلا صراخ، بلا عويل… فقط انسياب صامت يشبه انسياب العمر حين يخذلنا. كان الزمن نفسه يبدو وكأنه يبطئ خطاه، رحمةً بهما حتى لا يضيف إلى حزنهما حزنًا آخر.
رفع كنان رأسه نحو السماء، وعيناه تغرورقان دون أن يسمح لدمعته أن تسقط. تمتم بتوسلٍ خافت، دعاءً مكسورًا لا يسمعه إلا الله، يسأله العون والثبات.
لقد صار هو المسؤول الآن فحالة والده لا تسمح له حتى أن يُواسي نفسه، فكيف سيواسي أبناءه؟ كيف سيحمل بيتًا تصدّع عموده، وقلبًا فُجع نصفه؟
جثا كنان على ركبتيه، والبرد يتسلل إلى عظامه، ومدّ يديه نحو ميسون. رفعها بصعوبةٍ من على القبر، كانت تقاوم بثقل جسدٍ أنهكه الانهيار. ثم رفع مؤيد، واحتضنهما معًا إلى صدره بقوةٍ تكاد تكسر ضلوعهما، كأنّه يحاول أن يعطيهما من صلابته، حتى وإن كان داخله حطامًا متناثرًا.
لم يبكِ
لم يجد الفرصة
كان يجب أن يكون قويًا… من أجلهما.
وفجأة، انفجرت ميسون باكيةً بصوتٍ عالٍ، صرخة خرجت من أعماقها فهزّت سكون المقبرة، كأنّ التراب نفسه ارتجف تحت وطأتها. شدّت على قميص كنان بكلتا يديها، وملامحها تتلوى ألمًا، وقالت بصوتٍ متقطع بين شهقاتها /علاه منزلتنيش معاھا علااااااه واش درتلك أنا .....ياخي كنت تقولي لي تحبيھا نديرھالك .....علاه تكذب علاه .
الترجمة الى العربية /لماذا لم تُنزلني معها؟ لماذا؟ ماذا فعلتُ لك ؟ ألم تكن تقول لي إنك إذا أحببتُ شيئًا تقوم به من أجلي؟ لماذا تكذب؟ لماذا؟؟؟؟؟
كانت كلماتها خناجر لا تصيب سوى صدر أخيها. وبدأت تضرب صدره بيديها المرتجفتين، كأنّه هو المذنب، كأنّه هو من اختطف أمّها من بين ذراعيها.
شدّ عليها بقوة، ودفن رأسها أسفل ذقنه، وصوته يرتجف رغم محاولته كتم ارتعاشه /اشششش خلاص يا ميسون متعذبينيش ھكا..
الترجمة الى العربية /اهدئي… كفى يا ميسون، لا تعذّبيني هكذا.
كان يقولها برجاءٍ لا يخلو من ألم، كأنّه يستجديها أن ترحمه من عجزه، من شعوره بالذنب الذي لم يرتكبه.
بكت… وارتفعت شهقاتها، حتى صار جسدها كله ينتفض بين ذراعيه.
وبعد لحظاتٍ ثقيلة، ابتعدت عنه بعنف، ودفعته بيديها المرتعشتين، ثم نهضت، وعيناها تقدحان رفضًا/منيش متحركا من ھنا مانخليش ماما وحدھا .
الترجمة الى العربية /لن أتحرك من هنا، لن أترك أمي وحدها.
أنزل كنان رأسه إلى التراب، لحظة صمتٍ قصيرة مرّت كأنها دهر. ثم نهض، وسند مؤيد ليقف هو الآخر.
كانت حالة مؤيد مزرية؛ دموعه صامتة، لا صوت، لا كلمة، لا احتجاج… كأنّ الاتصال بينه وبين العالم الخارجي قد انقطع . عيناه فارغتان إلا من حزنٍ عميق، كأنهما تنظران إلى شيءٍ لا يراه سواهما.
تقدّم كنان نحو ميسون مرةً أخرى، ومدّ يده إلى ذراعها برفقٍ ، لكنّها أبعدت ذراعها سريعًا، وصرخت بصوتٍ مشروخ /قتلك مانروحش نبقا ھنا .
الترجمة الى العربية /قلت لك لن أذهب، سأبقى هنا.
ارتجف صوته وهو يجيبها، وملامحه تستجدي عقلها أن يغلب قلبها /يھديك ربي مديريش فيا ھكا ماما كان جات ھنا مترضالكش تباتي فالمقبرة ...يجي منو تزعفيھا وتقلقيھا .
الترجمة الى العربية /يهديكِ الله، لا تفعلي بي هكذا… أمي لو كانت هنا لما رضيت أن تبيتي في المقبرة…ھل ترضين أن تحزنيها وتغضبيھا ؟
أنزلت رأسها ببطء، كأنّ الكلمات أصابتها في نقطةٍ لا تقوى على مقاومتها. كانت في صراعٍ صامت بين عقلٍ يعرف صدق ما يقول، وقلبٍ يرفض التصديق. لم ترفع رأسها، لم تجبه، فقط ظلّت واقفة كمن يترنّح بين عالمين.
وفجأة…
سقطت
سقوطٌ مباغت، مفاجئ، كأنّ كلّ ما تبقّى من قوةٍ في جسدها قد تلاشى دفعةً واحدة. سقطت مغشيًا عليها، كورقةٍ أنهكتھا رياح الخريف حتى لم تعد تقوى على التمسك بغصنها.
صرخ كنان بفزعٍ شقّ سكون المكان /ميسوووون!
ومن ورائه، دوّى صوت مؤيد لأول مرة منذ الدفن، كأنّه استفاق من صمته القاتل، ينادي والده بصوتٍ مكسور، خرج من أعماقٍ لم يُفتح بابها منذ ساعات.
أسرع الثلاثة نحوها
جثا كنان أرضًا، ووضع رأسها على فخذه، وبدأ يصفع خدّيها برفق، صوته يرتجف وهو يناديها، لكن دون جدوى. كانت ساكنة… ساكنة على نحوٍ أفزع قلبه.
حملها بين ذراعيه كما تُحمل الأشياء الثمينة التي يخشى عليها من الكسر، واندفع مسرعًا نحو السيارة. خلفه مؤيد، ووالده الذي كان أشبه بالميت هو الآخر؛ شفتاه مزرقتان، وجهه شاحب، ثوبه أغبر، وعيناه غارقتان في فراغٍ موحش.
ركبوا السيارة جميعًا…
وحالة كل واحدٍ منهم أسوأ من الآخر.
كان الطريق أمامهم طويلًا، لكن ما في صدورهم كان أطول.
وفي تلك اللحظة، لم يكن في السيارة سوى أربعة أجسادٍ منهكة… وألمٍ واحدٍ يتقاسمونه جميعا....