جذور الرمال - الفصل الاول - بقلم وسن حمد | روايتك

اسم الرواية: جذور الرمال
المؤلف / الكاتب: وسن حمد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الاول

الفصل الاول

النهار كان هادي في صحراء العيلة، بس الهدوء كان يحمل شيء غريب، كأن الأرض نفسها تنتظر لحظة ما، كأنها تعرف إن شي كبير راح يصير قريب. الشمس كانت تلعب على الرمال الذهبية، ترسم خطوط من الضوء على الأرض اللي ورثتها العيلة منذ أجيال، أرض فيها ثروة ومعاني ما يعرف قيمتها إلا القريبين، أرض تحمل أسرار وتاريخ طويل. سراج وقف على شرفة شقته الفخمة، يده ماسكة الدرابزين بإحكام، وعيناه تركز على المشروع الجديد اللي تديره العيلة. شعره الأسود الكثيف كان مرتب، ولحيته الخفيفة تزيده وقار وجدية. حاول يبين هادي، بس إحساسه بالمسؤولية كان ثقيل، ثقيل كأنه حجر على صدره اليوم. "هالأرض… الله يعين اللي يسيطر عليها… مليانة فرص، بس المخاطر أكبر." تمتم لنفسه، وتنهد طويل يشبه صوت الريح على الرمال. بالداخل، كنان كان جالس على مكتبه الكبير، يراجع أوراق المشروع بعينين ثاقبتين. كل كلمة، كل رقم، كل تفصيلة كانت محسوبة في عقله قبل ما يتكلم. ريان، واقف جنب المكتب، يحرك رجله يمين ويسار بلا وعي، يبتسم للموظفين اللي يمرون، يرد على المكالمات بسرعة، لكن كان واضح عليه القلق. "يا كنان… تظن المستثمرين بيوافقون على التغييرات اللي اقترحناها؟" قال ريان بابتسامة صغيرة، بس صوته كان فيه توتر خفي. رفع كنان نظره، عيونه البنية الداكنة تحمل صرامة هادئة: "إذا التغييرات محسوبة صح، ما فيه داعي نخاف. بس أهم شي نكون واضحين مع الكل… واضح؟" ابتسم ريان، بس الابتسامة ما وصلت لعينيه، وكان يشعر بشي ثقيل يضغط على قلبه: "واضح… بس الجو اليوم… ثقيل كأن شي بيصير." في الحديقة، وسن تمشي بين الأشجار، شعرها الطويل ينسدل على كتفها بطريقة طبيعية، وعيناها الواسعتان تلمع بالفضول. كانت تحب تمشي هنا لوحدها، بس اليوم إحساس غريب يسيطر عليها، كأن الأرض تتنفس تحت خطواتها. همست لنفسها: "في شي غلط… إحساسي يقول كذا… يمكن بس إحساس." أما ديم، كانت في المكتب القانوني، عيونها الحادة تلتقط كل تفصيلة في العقود القديمة، حضورها القوي يملأ الغرفة، وكأن كل شيء حولها يلتفت إليها. همست لنفسها بصوت منخفض: "إذا فيه أي خطأ قانوني… لازم نكون جاهزين. الأرض هذي أكبر من أي ورقة أو توقيع." مشاعل، من زاوية المكتب الإعلامي، كانت تراقب الجميع بعين لامعة، وابتسامة مخادعة تلعب على شفتيها. قالت لنفسها بخفة، كأنها تلعب لعبة صامتة: "الكل يظن إنه مسيطر… بس أنا أعرف نقاط ضعفهم… ووقتها… أقدر أحرك اللعبة لصالحّي." بين كنان وريّان، ظهر توتر بسيط، مجرد نظرات قصيرة تحمل أسئلة ما أحد كان يقدر يسألها. ريان حرك يده على المكتب، حاول يخفف التوتر: "تصدق يا كنان… حسيت اليوم إن الأمور بتصير أصعب من اللي توقعنا." كنان ابتسم ابتسامة ضعيفة، نصفها تهدئة ونصفها تحذير: "أكيد… بس إحنا فريق… وما نخلي أي شي يفرقنا." وسن سمعت الكلام، ابتسمت بارتباك، كأنها عارفة إن وراء هالهدوء شي كبير: "أحس إنكم بعدكم ما تعرفون شو مخبّي لكم الأيام." الساعة قربت على المغرب، وفجأة… كل شيء توقف. صمت غريب، كأن الزمن نفسه أخد نفس عميق. صوت محرك سيارة غريبة اخترق هدوء الحديقة، صوت ثقيل ما تعودوا عليه، يعطي إحساس بالخطر. كل العيون اتجهت نحو البوابة. سراج قبض قبضته على الدرابزين، وعيون وسن اتسعت من الفضول والخوف. ريان، رغم اندفاعه المعتاد، شعر برعشة خفيفة تمر عبر جسده. السيارة اقتربت، أضواؤها تلتمع على الرمال وكأنها تجيب معها سر مخفي، والجو كله بدأ يتغير. وسن همست بصوت خافت: "يا ترى مين جاي…؟" سراج رد بهدوء صارم: "خلونا ننتظر… ولا أحد يتحرك قبل ما نشوف مين اللي بالسيارة." ريان ضحك، بس كان فيه توتر: "أكيد… بس قلبي يقول لي هاللي جاي… مو عادي." السيارة وصلت أخيرًا للبوابة، الضوء كشف جزء من السائق، وحركة يده على المقود كانت محسوبة ومخيفة بنفس الوقت. الجو كله بدأ يتغير، وكأن العاصفة بدأت من داخل الأرض نفسها. كل واحد في العيلة حاس إن هاللحظة ممكن تغيّر حياتهم للأبد… وأن كل شيء يعرفونه عن قوتهم، عن سيطرتهم، عن عائلتهم… صار ممكن ينقلب بين لحظة وضحاها.