سَلَبَنِي سَلَامِي - الفصل 29 - بقلم ســوريــــا | روايتك

اسم الرواية: سَلَبَنِي سَلَامِي
المؤلف / الكاتب: ســوريــــا
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 29

الفصل 29

مر يومان و هي في منزله ثقيلان كأن الزمن فيهما فقد معناه لم تكن تتحدث إلا نادرا و لم يكن هو يسألها شيئا كانت تتحرك في المكان كغريبة تحاول ألا تترك أثرا خلفها بينما كان يراقبها بصمت قاتل يكتفي بوجودها قربه حتى لو كانت تكرهه حتى لو كانت تنظر إليه و كأنه آخر رجل على هذه الأرض يستحق الرحمة و بعد محاولات متكررة منها و إلحاح لا ينتهي بالرحيل جلسا أخيرا تلك الليلة على طاولة الطعام صحنها بقي كما هو لم تلمسه و يدها لم تتوقف عن الارتجاف و هي تعيد طلبها مرة بعد مرة أن تذهب أن تعود إلى بيتها أن تنهي هذا الاحتجاز الذي لم يعد يحتمله قلبها و لا عقلها كان ينظر إليها بصمت يحارب شيئا داخله شيئا يرفض فكرة خروجها من هذا الباب و شيئا آخر يعرف أنه إن لم يتركها الآن فلن يبقى منها شيء يمكن أن يحبه و في لحظة ضعف بالكاد سُمعت همس بخفوت أن تغادر رفعت رأسها ببطء غير مصدقة ما سمعت عينان متسعتان تبحثان في ملامحه عن خدعة عن تراجع لكنه فجأة ضرب الطاولة بقبضته و صرخ أن تخرج قبل أن يغير رأيه فانتفضت واقفة و كأن القيود التي كانت تشلها انكسرت دفعة واحدة تحركت بسرعة لا تنظر خلفها لا تسمح لقلبها أن يلين ولا لقدميها أن تتباطأ عبرت الصالة و خرجت من الباب الكبير إلى الليل البارد بينما وقف هو في مكانه يحدق في الفراغ الذي تركته خلفها يتمنى لو أنها توقفت لو أنها التفتت لو أنها أعطته سببا واحدا ليمنعها لكنها لم تفعل لأنها تعرف أنه لو أُغلِق الباب خلفها فلن تفتحه مرة أخرى نزلت الدرجات مسرعة و ابتعدت عن المنزل بخطوات متلاحقة كأنها تهرب من ظل يطاردها حتى وصلت إلى الشارع الرئيسي رفعت يدها لسيارة عابرة و توقفت لها دون أن تسأل إلى أين ستذهب المهم أن تبتعد أن تختفي من هذا العالم الذي جمعهما معا و منذ تلك الليلة لم تعد تراه مر خمسون يوما بالضبط خمسون يوما بلا صوته بلا نظراته بلا ذلك الثقل الذي كان يملأ أنفاسها حاولت أن تقنع نفسها أن هذا أفضل أن المسافة دواء و أن الغياب فرصة لتلتئم الشقوق التي مزقت روحها لكن في أعماقها كانت تعرف أن بعض الغياب لا يشفي بل يعلم القلب كيف يتألم بصمت و كيف يعتاد الفراغ و كأنه جزء منه و ربما لم تكن تحاول نسيان ما حدث بينهما بقدر ما كانت تحاول أن تنسى نفسها حين كانت معه و رغم أنها عادت إلى حياتها القديمة و عادت الأشياء إلى أماكنها ظاهريا إلا أن شيئا ما بداخلها لم يعد كما كان لم تعد سما ذات الصوت العالي و الضحكات التي تملأ المكان لم تعد تلك الفتاة التي تقتحم المجالس بالمزاح وتفرض خفتها على الجميع كأن الحزن لا طريق له إليها انطفأ شيء في عينيها شيء لم يستطع أحد تسميته لكنه كان واضحا لكل من يعرفها جيدا لم تعد تهتم بطعامها الصحي و لا بمواعيد تدريباتها اليومية و لم تعد تركض خلف إنجازاتها بشغف الطبيبة المجتهدة التي أحبها المرضى قبل زملائها صارت تؤدي واجباتها ببرود كأنها جسد يتحرك بلا روح حتى في قاعة الدرس لم تعد الطالبة المشاغبة التي تسرق الضحكات في لحظات الجدية بل باتت تجلس في الخلف صامتة تحدق في نقطة ثابتة و كأنها تخشى أن تلتقي أعينها بأحد فيسألها عما تخفيه لم تعد كثيرة الخروج في النهار و كأن ضوء الشمس يفضح هشاشتها الجديدة صارت تفضل الليل بصمته ووحدته و صارت الشوارع الخالية أكثر رحمة من الوجوه المليئة بالأسئلة لم تعد ترى في التدخين خطرا حقيقيا أو ربما ما زالت تؤمن بذلك لكنها لم تعد تملك الرغبة في حماية نفسها كانت تشعل السيجارة تلو الأخرى و كأن الدخان يملأ الفراغ الذي تركه شيء انكسر فيها و لم يعد يُصلح لم تعد تبغض الناس السيئين سريعي الغضب و كثيري التشاؤم لأنها ببساطة أصبحت تشبههم صارت تفهم حدتهم و تبرر قسوتهم و تجد في صمتهم انعكاسا لصمتها الداخلي حتى أعز صديقاتها اللواتي كن يوما ملاذها الآمن صارت تشعر بينهن بالغربة تجلس وسط ضحكاتهن و تشعر أنها خلف زجاج سميك ترى ولا تُرى تسمع و لا تُسمع لم تخبر أحدا بما عاشته لم تمنح أحدا مفاتيح الألم الذي يسكن صدرها احتفظت بكل شيء داخلها كأنها تخشى أن يتحول الكلام إلى حقيقة أثقل قررت أنه إن ماتت فسيموت ذلك السر معها كأن ما حدث لم يكن مجرد ذكرى بل ندبة خفية تخشى أن يلمسها أحد فتنزف من جديد