الفصل 27
في الفندق مر اليوم الاول بسلام هادئ كانت تحتاجه خرجت من الساونا بخطوات بطيئة و جسدها مثقل بحرارة مريحة كأن الافكار المزعجة ذابت مع البخار عادت لغرفتها للحظات فقط لتبدل ثوبها ثم نزلت لمطعم الفندق الخاص جلست وحدها تتناول طعاما خفيفا بلا شهية حقيقية تراقب الوجوه من حولها دون ان ترى احدا فعليا
بعدها صعدت للشرفة المطلة على المدينة باكملها مدينة مضاءة من الاعلى بدت بعيدة ولا تشبهها وقفت هناك وقتا تحاول ان تجعل عقلها يهدأ ثم عادت لغرفتها من جديد بارهاق و ما ان اغلقت الباب حتى وصلت العاملة المخصصة لجلسة الاسترخاء
استلقت سما بهدوء مغمضة العينين مستسلمة لليدين اللتين بدأتا تدلكان جسدها برفق محاولة ان يمر هذا اليوم كما بدأ بلا ضغط بلا وجع و بلا تفكير باي شيء اخر
كانت سما غارقة في عالم من السكينة، مستسلمة ليدي العاملة التي كانت تنساب فوق جسدها بحركات إيقاعية مدروسة، تذيب توتر عضلاتها و تغرقها في حالة من شبه الغياب عن الوعي. رائحة الزيوت العطرية ملأت المكان، و الهدوء لم يقطعه سوى همس العاملة و هي تستأذن للرحيل. لم تجبها سما، بل اكتفت بإغماض عينيها، متلذذة ببقايا الدفء فوق بشرتها، غير آبهة بمرور الوقت أو بقواعد الجلسة.
كانت المنشفة الرقيقة تلتف حولها بإهمال، تستر القليل و تترك الكثير لبرودة الهواء التي تسللت فجأة من نافذة يبدو أنها فُتحت بفعل الريح. انتفضت سما بخفة و حين رفعت جسدها لتغلق النافذة، تجمدت الدماء في عروقها.
هناك، عند زاوية الغرفة، كان يقف كظلٍّ مرعب ومهيب في آن واحد.. متكئاً على الحائط ببرود قاتل، و عيناه الصقريتان تجوبان جسدها المرتجف بنظرات لم تعهدها فيه من قبل. اصفرّ وجهها، و حاولت يداها المرتجفتان سحب أطراف المنشفة لتستر عريها الفاضح، لكن الخوف جعل حركاتها مشلولة.
"شـ... شو عم تعمل هون؟ كيف دخلت أصلاً؟"
خرج صوتها متقطعا مليئا بالذهول والذعر.
لم ينطق بكلمة، بل بدأ يتحرك حول السرير ببطء، كأنه صياد يطوق فريسته. كل خطوة منه كانت تزيد من دقات قلبها التي تحولت إلى قرع طبول عنيف يكاد يمزق صدرها. تراجعت للخلف و هي تقف بجانب السرير، متمسكة بقطعة القماش التي لم تعد تحميها من نظراته الحارقة.
"قيس.. جاوبني.. شو عم تعمل هون؟"
نادته برجاء، لعلّ النسخة القديمة منه تجيبها.
توقف قبالتها، و همس بصوت أجشّ مثقل بالرغبة و الندم الممزوج بالجنون
"كم مرة لسا حابة اعتذر منك سما؟ ما بيكفي؟"
صرخت بخوف
"بنحكي بعدين بالموضوع.. اطلع هلق!"
لكنه اقترب كالمغيب، و مدّ يده ليحيط خصرها، متجاهلاً توسلاتها. تلامست أصابعه مع بشرتها العارية، فسرى تيار من القشعريرة في جسدها. حاولت دفعه، أمسكت بذراعيه بكل ما أوتيت من قوة، لكنه كان كالجبل لا يتزحزح.
انحنى برأسه، و التقط أنفاسها اللاهثة قبل أن يطبق بشفتيه على ثغرها في قبلة عنيفة، قبلة لم تكن للحب بقدر ما كانت للإخضاع.
تحركت شفتاه ببطء قاتل نحو وجنتها، ثم انزلق لرقبتها يطبع عليها وسوم تملكه. و بحركة خاطفة، سحب المنشفة من يديها الضعيفتين، لتجد نفسها عارية تماما أمام عاصفته.
حملها بحدة و ألقى بها على السرير، و حين حاولت الفرار، كان أسرع منها، فأمسك بساقيها و ثبتهما. رأته يرفع ذراعيه، يخلع قميصه الأسود بحركة وحشية، مبرزاً عضلات صدره التي كانت تعلو و تهبط بأنفاس متلاحقة.
في تلك الليلة، انكسر كل شيء. استسلمت سما لواقع لم تكن تتخيله، ظنت أن هدوء قيس المعهود سيجعل من تلك اللحظة رقيقة، لكنها اكتشفت وجهاً آخر.. وجهاً عدوانيا، جامحا لا يرحم. توسلاتها كانت تضيع في صمت الغرفة و دموعها التي بللت الوسادة لم تكن كافية لتوقفه، فرغم حبه العظيم لها، كان في تلك اللحظة محكوماً بشياطين لا ترى سوى الانتقام و الاستحواذ، ليترك في روحها ندبة لا يمحوها زمن.
بعد أن خمدت العاصفة، لم يتبقى في الغرفة سوى صوت أنفاس قيس المتلاحقة و صمت سما الذي كان أشد إيلاماً من أي صراخ. كانت الغرفة، التي بدأت كملاذ للاسترخاء، قد تحولت إلى ساحة معركة خاسرة بالنسبة لها.
ارتمى قيس بجانبها، و قد بدأ ضباب الجنون ينجلي عن عينيه ليحل محله إدراك مرير لما اقترفت يداه. نظر إلى سقف الغرفة، ثم التفت إليها، ليرى حطام المرأة التي أحبها. كانت سما منكمشة على نفسها كجنين، تلملم ما تبقى من كرامتها و من تلك المنشفة الممزقة و شهقاتها المكتومة تهز السرير الذي شهد على انكسارها.
لم تجرؤ على النظر إليه. كانت تشعر و كأن الهواء في الغرفة أصبح ثقيلاً، ملوثاً برائحة الخيانة و الوجع.
"سما..."
همس باسمها بصوت مكسور، محاولاً لمس كتفها، لكنها انتفضت و كأن لمسته جمرة نار.
"لا تلمسني!"
خرجت الكلمة منها حادة، محملة بمرارة السنين.
"بكرهك بكرهك!!!.. أنت قتلت كل شي كان باقيلك جواتي."
وقف قيس، و بدأ يرتدي قميصه الأسود بآلية، و عيناه لا تفارق دموعها التي لم تتوقف. قال بنبرة غريبة، مزيج من التملك و الندم:
"كنت عم بضيع يا سما. برودك كان عم يقتلني كل يوم. فكرت إنو هيك رح ترجعي ملكي.. فكرت إنك رح تفهمي قديش أنا محتاجك."
ضحكت سما ضحكة هستيرية، ممزوجة بالبكاء، و هي ترفع عينيها الحمراوين إليه:
"محتاجني؟ أنت دمرتني قيس. الحب اللي بيحرق صاحبه لحتى يتدفى مو حب.. هاد انتقام. اطلع لبرا.. اطلع و ما ترجع أبداً."
نهض بقوة و سحبها من معصمها خلفه باتجاه حقيبة السفر التي كانت ملقاة في زاوية الغرفة، كانت حركته عنيفة و سريعة، لم يراعي ضعف جسدها و لا الصدمة التي تعيشها. سما التي كانت تعاني أصلاً من فقر دم حاد و نقص في الحديد، شعرت فجأة و كأن الأرض تهتز تحت قدميها.
الدم الذي نزفته، و الألم النفسي و الجسدي، اجتمعوا جميعاً في لحظة واحدة ليعلن جسدها العصيان. شعرت ببرودة شديدة تسري في أطرافها، و بدأت الرؤية تتشوش و تتحول إلى بقع سوداء تتراقص أمام عينيها. صغر العالم في نظرها، و فقدت القدرة على سماع صوته الذي كان يناديها بحدة.
ارتخت ذراعها في يده، و ترنح جسدها النحيل كغصن مكسور. و في اللحظة التي كانت ستسقط فيها جثة هامدة على الأرض، انخلع قلب قيس من مكانه. التفت بسرعة و التقطها قبل أن يرتطم جسدها بالأرض، ليقع رأسها على صدره و يداه تحيطان بخصرها المرتخي.