سَلَبَنِي سَلَامِي - الفصل 26 - بقلم ســوريــــا | روايتك

اسم الرواية: سَلَبَنِي سَلَامِي
المؤلف / الكاتب: ســوريــــا
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 26

الفصل 26

في صباح يوم عادي، كانت سما تقود سيارتها باتجاه مدينة أخرى، محاولة أن تسبق الوقت لتشتري الكتاب المطلوب للامتحان، و الطرقات أمامها تمتد طويلة و هادئة، بينما عقلها لم يكن كذلك أبدا، كانت شاردة في خيالها، غارقة في تفكير عميق عمّا يجب أن تفعله، عن قرارات مؤجلة، و عن قلب أثقلته خيبات متتالية، و لم تنتبه إلا في اللحظة الأخيرة لسيارة سوداء اندفعت بسرعة لتقطع طريقها و تصبح أمامها مباشرة، ثم رأت أضواء السيارة الخلفية اليمنى تشتغل و تنطفئ بإلحاح، قبل أن تتوقف السيارة على جانب الطريق، عندها فقط استوعبت أن المطلوب منها التوقف أيضا، فخففت سرعتها و أوقفت سيارتها أمام الأخرى، نظرت في المرآة لترى رجلا طويل القامة يترجل من السيارة السوداء و يتقدم بخطوات ثابتة نحوها، عرفته من اللحظة الأولى، فترجلت هي أيضا، تقدمت نحوه بغضب واضح، بجسد مشدود و نبرة هجومية، و ما إن وقفت أمامه حتى صرخت "مش قلتلك تتركني بحالي؟ شو اللي ما فهمته بكلامي؟ اتركني بحالي لوجه الله." اقترب منها خطوة إضافية، فرفعت يدها في الهواء بحركة حادة و صرخت "خليك عندك أوعك تقرب مني." قال قيس بهدوء يناقض حدّة الموقف "فينا نحكي؟" ابتسمت بسخرية موجوعة و قالت "لا قيس، ما فينا نحكي ما في شي نحكي فيه لأنه آخر مرة بحكيلك تتركني بحالي مالي خلق وجع راس أكتر من هيك، هاي المواضيع مو اختصاصي أنا مو من النوع اللي بحب يتعذب على فراق حدا أو خيانته، اتركني بحالي، لأنه آخر مرادي أفكر بذكر." تنفست بعمق، ثم أكملت بعينين ثابتتين "أنا مش رين قد ما حبيتك ما رح حبك أكتر من حالي لهيك لا تتوقع إذا طلعت مرة تانية بوجهي انهار عم اطلب منك بذوق تبعد عني مع إني أبعد ما يكون عن الذوق بهيك مواقف." استدارت من أمامه دون أن تعطيه فرصة للكلام، عادت إلى سيارتها بخطوات سريعة، أغلقت الباب بقوة و انطلقت مبتعدة، تاركة خلفها طريقا فارغا و رجلا وقف مكانه يدرك متأخرا أن هذه المرة لم تكن كسابقاتها. استدار هو و عاد إلى سيارته، و خطواته ثقيلة رغم ثباتها، مدركا أن مراد لم يستطع إقناعها بشيء، رغم مكانته الكبيرة في قلبها، تسلل السؤال إلى ذهنه بإلحاح خانق، هل أصبحت تكرهه فعلا، أم أنها فقط تحاول النجاة بنفسها منه، جلس خلف المقود و بقي لثوان يحدق في الطريق أمامه دون أن يتحرك، كأن الاعتراف بالحقيقة أصعب من تقبّلها، ثم أدار المحرك و انطلق، و عيناه تحملان غضبا صامتا و شيئا يشبه الخسارة الأولى في حياته. أما هي، فوصلت إلى المدينة بعد وقت، أوقفت سيارتها، و دخلت المكتبة الكبيرة، اشترت الكتب المطلوبة للامتحان بآلية باردة، كأنها تنفذ مهمة لا أكثر، ثم خرجت و هي تحمل الأكياس بين يديها، تحاول أن تشغل نفسها بأي تفصيل عابر، بعدّ الخطوات، بمراقبة الوجوه، بصوت الشارع، و بأي فكرة قادرة على أن تضغط على عقلها بقوة كافية كي لا يعود إليه، لكنها كانت تعلم في قرارة نفسها أن الهروب منه في الخارج أسهل بكثير من إسكاته في داخلها. في المساء، عندما عادت إلى المنزل، دخلت غرفتها و أغلقت الباب خلفها، ثم ارتمت على السرير بثقل يوم كامل حاولت فيه الهرب من أفكارها دون جدوى، و في اللحظة التي أغمضت فيها عينيها رنّ هاتفها معلنا عن وصول رسالة، مدّت يدها بكسل و أمسكته، لتتفاجأ برقم غير مسجل، فتحت الرسالة و قرأت "سامحيني.. و ما رح حط عيني بعين وحدة غيرك." أعادت قراءة الكلمات مرة تلو الأخرى، كأنها تحاول أن تجد بينها سطرا خفيا يخفف عنها، تجمعت الدموع في عينيها دون إذن منها، و شعرت بوخزة مؤلمة في صدرها، مزيج من ضعف و حنين و غضب لم يهدأ بعد، و في اللحظة ذاتها تقريبا وصلها إشعار آخر، هذه المرة على بريدها الإلكتروني، رسالة تلقائية من برنامج كانت مشتركة فيه يعلن عن فندق عالمي مخصص للراحة النفسية، مساج، مسابح خاصة، ألعاب، و طلات مرتفعة على مساحات خضراء مفتوحة، بقيت تحدق في الشاشة لثوان، ثم أطفأت الهاتف و وضعت يدها فوق عينيها، الفكرة تسللت بهدوء إلى عقلها، يومان فقط، يومان لتفرغ رأسها من هذا الضجيج، أو ربما لتفكر، و لكن هذه المرة بعقلانية بعيدا عنه و عن كل ما يربطها به، لم تطل حيرتها، فقد حزمت أمرها، نهضت من السرير، فتحت الخزانة، و بدأت تجمع أغراضها القليلة داخل حقيبة سفر صغيرة، حركاتها هادئة لكن قرارها كان حاسما، كأنها أخيرا اختارت نفسها، و لو مؤقتا.