الفصل 24
في يوم واحد و في لقاء غير متفق عليه جمعهم القدر صدفة في اجتماع مغلق للإعلان عن منتج جديد أشبه ببازار خاص لا يحضره سوى كبار رجال الأعمال و أشهرهم بلا موسيقى و لا صخب فقط أحاديث محسوبة و نظرات تزن كل شيء بدقة حضر قيس دون اهتمام مسبق ليجد نفسه في المكان ذاته مع زوج عمته كنان و شقيقه مراد إضافة إلى جاسر و هيثم فجلس الخمسة على طاولة واحدة يتبادلون حديثا خفيفا قبل بدء عرض الفكرة الجديدة و فجأة دوى رنين هاتف قطع انسجام الجلسة أمسك مراد هاتفه و تفحص الرقم الغريب قبل أن يعرف صاحبه فتغيرت ملامحه بوضوح و أجاب بنبرة ضجر
"هشام بيك. مو معقولة كل يوم نفس الاتصال و نفس السؤال"
شد الاسم انتباه قيس فرفع رأسه ببطء هشام؟ هل هو مجرد تشابه أم انه ذاك الطبيب ذاته
مال بجسده قليلا و أصغى دون أن يظهر اهتمامه خصوصا أن مراد يجلس إلى جواره فكان صوت هشام مسموعا بوضوح
"يا عمي سامحني بس انا طلبت ايدها من زمان وما عم اطلب شي غلط بس خطبة نتعرف فيها على بعض معقول لهلق ما سألتها اذا موافقة و لا لا"
تنهد مراد و قال
"بوعدك اسألها أول ما بقدر و برجع بعطيك خبر"
شكره هشام و أغلق الخط ساد صمت قصير قبل أن يلتفت قيس إلى مراد بنظرة ثابتة و قال
"مراد بيك"
نظر إليه مراد فأكمل
"حابب احكي معك لوحدنا شوي"
نهض مراد وقال
"تفضل معي يا ابني"
خرجا جانبا بعيدا عن الطاولة توقف قيس أمامه بثبات و سأله دون مقدمات
"سؤال واحد بس.. اللي اتصل من شوي كان دكتور هشام اللي مع سما بالمشفى؟"
اتسعت عينا مراد و قال
"ايه من وين عرفت؟"
قال قيس بهدوء قاتل
"سمعتك.. و سمعتو عم يدايقها"
تردد مراد قبل أن يسأله
"و انت لاحظت عليه شي"
رد قيس بلا اكتراث
"ما اهتميت لحتى لاحظ بس اجيت خبرك اني حابب بنتك فلا تعطي كلمة لحدا يفكر يخطبها لاني باكدلك انها رح ترفض"
ارتبك مراد و قال
"يعني هي بتحبك"
أجابه قيس ببساطة لا تحتمل الشك
"ايه بتحبني"
قال مراد بقلق واضح
"بس قيس.. سما بتعرف عن شغلك شي؟"
قال
"بتعرف بس مش كل شي "
هز مراد رأسه و قال بحزم
"انا آسف يا قيس بس مش مستعد اني ضحي فيها و ادخلها بعالمك"
أنهى قيس الحديث بنبرة باردة
"انا ما سألتك اذا مستعد و لا لا بنتك اخرتها تنكتب على اسمي رضيت أو لا عم خبرك باعتبارك ابوها مو عم اطلب"
اشتد صوت مراد
"ما فيك تفرض هالشي علي بنتي مو رح ادخلها بعالم الاجرام تبعك"
اقترب قيس خطوة واحدة و قال و هو ينظر في عيناه بتحدي
"امنعني اذا بتقدر"
ثم استدار و عاد إلى الداخل تاركا مراد واقفا في مكانه مصدوما جسده متيبس و عقله يصارع فكرة واحدة فقط يجب أن يحمي ابنته و رغم ذلك لم يستطع إنكار شيء واحد منذ البداية قيس كان يتحدث باحترام ولم يظهر تسلطه إلا في اللحظة التي قوبل فيها بالرفض وحينها فقط عاد قيس الحقيقي ذاك الذي لا يطلب بل يأمر.
تغيرت ملامح مراد عندما خطرت له الفكرة أخيرا فقد رأى بعينيه كيف كانت النساء ينظرن إلى قيس برغبة واضحة و أيقن أن رجلا مثله لن يضيع فرصة كهذه ليمضي بعض الوقت مع إحداهن
فقرر ألا يحارب ابنته مباشرة بل يتركها هي تخوض المعركة وحدها تحبه إذن؟
ستكرهه!
دخل بعد مدة و جلس على الطاولة ذاتها كانت نظراته لقيس مشحونة بالتحدي بينما بدا قيس باردا كعادته و كأن الأمر انتهى بالنسبة له
سيفعل ما يريد دون اكتراث و مع بدء عرض المنتج اقتربت فتاة من الخلف و وضعت يدها بخفة على كتف قيس فالتفت إليها ثم أعاد نظره سريعا إلى جاسر الذي أكد له بنظرة مقتضبة أنها المطلوبة لهذه الليلة نهض معها بهدوء و انسحبا دون أن يلاحظ أحد غيابهما فالجميع منشغل بالعرض و كما اعتاد كان الأمر مجرد وقت قصير مع امرأة لا يرى فيها سوى وسيلة لمعلومة..
دخلا الحمام انعكست صورتهما على المرآة اقترب منها ليقبلها فتراجعت بخفة و جلست على طرف المغسلة بدأت تنزع بعض ثيابها و هو يساعدها بلا اهتمام حقيقي لكن فجأة...
فُتح الباب بقوة التفت الاثنان و في اللحظة نفسها تجمد قيس مكانه كانت سما! تقف أمامهما عيناها متسعتان و ملامحها مشدوهة لثواني لم تتحرك لم تتنفس حتى ناداها باسمها بصوت منخفض
"سما"
حينها فقط استعادت وعيها استدارت فجأة و ركضت خارج المكان شعر قيس بلعنة تنفجر في صدره تمتم شتيمة خافتة ثم ابتعد عن الفتاة بسرعة
"بنشوف بعض وقت تاني"
و خرج مسرعا يلحق بسماه تلك الصافية التي شعر لأول مرة أنها تنزلق من بين يديه إلى ظلام لا يعرف كيف يوقفه
وصل إلى الصالة يبحث عنها بعينيه بقلق رآها عند باب الخروج تسرع الخطى لحق بها و عندما أوشكت على الوصول إلى سيارتها أمسك معصمها و جذبها نحوه لتلتف بعنف صرخت فيه
"اترك إيدي"
قال بسرعة و صوته مشدود
"سما.. انتي فهمتي اللي شفتيه غلط صدقيني"
كانت تملك ألف رد و ألف صرخة لكنها لم تفعل نظرت إليه ببرود قاسي و قالت
"أنا ما فهمت غلط.. أنا ما فهمت من الأساس. انت حر بحياتك ليش بدك تبررلي؟"
قال بنبرة أقرب للتوسل
"سما سمعيني"
ابتعدت خطوة و قالت
"ارجعلها رح تزعل منك لأنك تركتها"
قال بحدة ممزوجة برجاء
"تزعل بكيفها.. سما بترجاكي سمعيني"
نظرت إليه بخيبة أمل واضحة و قالت
"أنا اللي بترجاك اتركني بحالي قيس"
ثم استدارت دخلت سيارتها أدارت المحرك و غادرت دون أن تنظر خلفها تاركة إياه واقفا للمرة الأولى عاجزا عن اللحاق بشيء خسره قبل أن يعترف أنه يريده