الفصل 15
عادت مع قيس إلى الداخل تسير خلفه بخطوات ثابتة و رأسها مرفوع كأن الانهيار الذي عاشته قبل دقائق لم يحدث و كأن الدموع التي أغرقت وجهها لم تكن يوما لها اقتربت من مرام و جلست إلى جانبها بهدوء مصطنع مدت يدها تمسك يدها بقوة صامتة تحاول أن تكون السند الذي وعدت نفسها أن تكونه مرت دقائق ثقيلة و كأن الزمن متجمد إلى أن خرج الطبيب أخيرا نظر إلى الوجوه المتجمعة ثم وقعت عيناه على سما و مرام فعرفهما فهما من المتدربات في المستشفى التي تتعامل مع كليتهما اقترب أكثر و تحدث بصوت حازم خال من أي مجاملة
"اعصابها ما تحملت كمية الدوا المشكل الي اخدتو حالتها مو بسيطة"
توقفت الأنفاس حوله و أكمل دون أن يترك لهم مجالا للأمل
"ما حتقدر ترجع طبيعية بفترة سريعة"
نظرت مرام إلى سما بعيون مرتجفة بينما تابَع الطبيب
"قررنا تضل بالمشفى تحت المهدئات وضعها النفسي خطير و بهيك حالات المفروض تدخل غيبوبة حتى يتعافى الجسد لحالو"
ابتلعت سما ريقها بقوة و هو يكمل
"بما انها ما دخلت بغيبوبة رح نضل نعطيها منومات لتضل فاقدة الوعي و ما تتعرض لاي ضغط ممكن يأذيها اكتر"
اقترب هيثم بخطوات مترددة و كأن الأرض تثقل تحته و توقف أمام الطبيب محاولا أن يبدو متماسكا رغم الاضطراب الذي ينهش صدره و رفع صوته متحشرجا
"قديش رح تضل بهالحالة..؟يعني ايمتى ممكن تطلع؟"
نظر الطبيب إليه ثم وقعت عيناه على سما التي كانت تنظر لهيثم بكره صريح و حقد لم تحاول إخفاءه فأعاد نظره إليه و أجابه بهدوء مهني
"ما فيني احدد وقت دقيق لانو كل جسم بيتعافى بطريقة مختلفة بس حسب وضعها ممكن تضل ايام قليلة يمكن اسبوع و مش اكتر"
تدخلت مرام بصوت مكسور و هي تمسح دموعها بأصابع مرتجفة
"طيب فينا نزورها اذا حبينا"
التفت الطبيب إليها و كأنه يخاطب شخصا يفهم جيدا ما سيقوله
"انتي اكتر وحدة بتعرفي انو الزيارات بحالات فقدان الوعي مالها فايدة رين وضعها مشابه لحالة الغيبوبة وجودكم جنبها ما رح يغير شي بهالمرحلة"
ساد الصمت من جديد سما لم تنزل عينيها عن هيثم لم تتكلم لكنها كانت تقتله بنظراتها نظرات تحمل اتهاما لا يحتاج إلى كلمات بينما هو شعر لأول مرة بثقل حقيقي يجثم على صدره ثقل لم يعرفه في حياته كلها ثقل اسمُه الذنب
في تلك اللحظة اتى من بعيد إيهم اقترب من شقيقه الأكبر قيس بخطوات محسوبة و انحنى قليلا ليهمس قرب أذنه بكلمات سريعة ومقتضبة
"جاسر بيك طالبك بالقصر امشي و انا بضل هون"
نظر قيس إليه باستغراب صامت و كأن عينيه تسأل قبل لسانه
"ليش"
أعاد إيهم الهمس بسرعة أخفض هذه المرة و كأنه يخشى أن تسمعه الجدران
"المستودع اللي عالجبل قريب فيلتك انحرق"
تجمد قيس لثانية واحدة فقط صدمة خاطفة عبرت عينيه ثم استدار و تحرك بسرعة غادر المكان دون أن يلتفت و دون أن يبرر رحيله أو يعتذر لأحد كأن شيئا داخله انفصل فجأة عن كل ما حوله
رأته سما و هو يبتعد بجسده المتوتر و خطواته السريعة فشعرت بشيء يشدها للحاق به اقتربت و وقفت أمامه مباشرة رفعت رأسها تنظر له بثبات حاول هو تجاوزه بهدوء كأن وجودها عبء إضافي لا يحتمله لكنها سألته قبل أن يفعل
"لوين رايح"
أجابها ببرود مقتضب
"شغل"
تحرك من جانبها و مضى تاركا إياها واقفة مكانها للحظة قصيرة لكنها لم تستسلم لم تسمح له أن يختفي هكذا لحقت به
لاحقته بسيارتها دون أن يلاحظ سارت خلفه حتى دخل طريقا مقطوعا على الجبل طريقا خاليا موحشا يوحي بأن ما سيحدث فيه لن يكون عابرا أوقف سيارته قرب موقع محترق فأوقفت هي سيارتها على مسافة بعيدة بحيث تراه بوضوح دون أن يراها
ترجل قيس من سيارته و اتجه نحو المكان الذي التهمته النيران قبل وقت قصير بقايا سوداء جدران متفحمة و رائحة احتراق ما زالت عالقة في الهواء وقفت مجموعة من الرجال بانتظاره تقدم نحوهم و ملامحه جامدة قاسية لم يظهر غضبا ظاهرا لكن فكه المشدود و عروقه البارزة فضحا ما بداخله بدأ يتكلم و صوته يرتفع شيئا فشيئا حتى صار صراخا لم تسمع كلماته بوضوح لكنها رأت الغضب يتجسد في حركاته
تقدم أحد الرجال نحوه تشابكا بالأيدي لحظة قصيرة تبادل كلمات حادة ثم فجأة
مد قيس يده خلفه إلى بنطاله أخرج سلاحه بحركة باردة خالية من التردد رفعه و أطلق النار
الرصاصة استقرت مباشرة في رأس الرجل سقط أرضا بلا صوت
شهقت سما و وضعت يدها على فمها جسدها تجمد و عيناها اتسعتا بصدمة لم تتوقعها بهذه العنف بهذه السرعة أدركت في تلك اللحظة فقط أنها لا تقف أمام رجل غاضب بل أمام عالم مظلم لم تكن تعرف حجمه و لا قسوته عالم قيس الحقيقي الذي حاول إخفاءه