الفصل 14
مر يومان لم تأت فيهما رين إلى الكلية غيابها كان ثقيلا و مقلقا حاولت مرام و سما الاتصال بها مرارا دون جدوى هاتفها مغلق و صمتها غير معتاد سألت سما عمها عنها فجاءها الجواب باردا و مختصرا أنها لا تخرج من غرفتها منذ يومين ذلك الرد لم يطمئنها بل زاد خوفها و في اليوم الثالث كانت سما جالسة إلى جانب مرام في قاعة المحاضرة تحاول التركيز عبثا حين اهتز هاتفها على الطاولة امامها نظرت إلى الاسم فشعرت بانقباض في صدرها ليث رفعت الهاتف و تحدثت بخفوت و هي تلتفت حولها
"ليث.. خير شو في؟"
لم تكمل لتخبره انها بالمحاضرة و لا يسمح لها التكلم قاطعها صوت بكاء مختنق وصلها عبر الهاتف
"سما.. سما سمعيني نحنا كلنا بالمشفى رين حاولت تنتحر"
صرخة خرجت من سما دون وعي
"نعممم؟!!"
التفتت كل العيون نحوها و كاد صوت المدرس يرتفع لولا أنها صرخت مجددا و هي تقف
"بأي مشفى انتو"
أعطاها العنوان بسرعة أغلقت الهاتف و يداها ترتجفان جمعت أغراضها بعشوائية ثم أمسكت بذراع مرام و صرخت بصوت مخنوق
"رين حاولت تنتحر امشي بسرعة هن بالمشفى"
وصلوا إلى المشفى فوجدوا عمها و بقية العائلة في الردهة وجوه شاحبة و عيون متعبة اقتربت سما و مرام بخطوات مترددة وقلبهما يسبق أقدامهما
"شو صار؟ كيف صار هيك؟"
قالها صوت سما مخنوقا و هي تنظر إلى جواد الذي بدا أكبر من عمره بعشر سنوات حزن واضح في عينيه و صوته مكسور وهو يجيب
"كانت مسكرة عحالها لما دقينا الباب و ما ردت كسرناه دخلنا و لقينا علب حبوب فاضية كتير جنبها بلعتهم كلهم مرة وحدة لتنتحر ما بنعرف أمتى أخدتهم الصبح و لا الليل و لا امبارح ما بنعرف شي"
لم تكمل مرام سماع بقية الكلام انهارت بالبكاء و كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها جلست على أقرب كرسي و دفنت وجهها بين يديها و في اللحظة التي همّت فيها سما بالجلوس إلى جانبها لمحتهم عند نهاية الممر هيثم و قيس كان هيثم متوترا واضحا و قد أصر أن يأتي قيس معه كي لا يواجههم وحده
ما إن وقعت عينا سما على هيثم حتى اشتعل شيء مظلم في صدرها ركضت نحوه بشراسة لم يعرفها أحد منها من قبل أمسكت سترته بقوة و صرخت فيه بصوت هز المكان
"لك انت لسا الك عين تجي ماهي اكيد بسببك حاولت تنتحر بسببك انت يا عديم الانسانية رين مرمية تحت ايدين الدكاترة! رين يلي طول عمرها و لا ضفر انكسرلها انت كسرت قلبها انت السبب. لو صارلها شي رح تندم! عم تسمعني رح تندم"
تدخل الجميع بسرعة لإبعادها عنه كانت تحاول الإفلات كوحش جريح و قيس أمسكها من خصرها و جذبها إليه لكنها لم تهدأ لم تصمت و لم تهتم حتى بأنها بين يديه بل التفت برأسها و صرخت مجددا بهيثم
"لك انت اساسا ما كنت بتستاهلها و لا بتستاهل حبها كانت كثيرة عليك حبها الك هو يلي أذاها"
في تلك اللحظة وضع قيس يده على فمها بقوة و جذبها لتستدير نحوه قال بصوت منخفض لكنه حاد
"لك اسكتي بقى نحنا بمشفى ما بصير تعملي هيك"
حاولت أن تصرخ و تسأله
"و انت شو خصك"
لكن لم يمهلها مال بجسده و حملها رغما عنها وخرج بها من القسم ثم من المشفى بالكامل وصل إلى موقف السيارات و أنزلها أخيرا لكنها لم تصمت كانت تصرخ به و تضرب صدره بقبضتيها بكل ما تبقى فيها من قوة
"بكرهك! انا بكرهك و بكره كل شي بخصك بكره اخوك و بكره حبها اله و تعلقها فيه لو ما كانت غبية ما كانت حبته هيك حبها اله هو الي دمرها"
ظلت تصرخ و تصرخ حتى أشعلت نار غضبه نارا لم يعد قادرا على كبحها فرفع يده و صفعها بقوة ارتد صداها في المكان قبل أن يصرخ بها
"اخرسي بقى مثل ما هي بنت عمك هي بنت عمتو اكيد ما كان بده يوصلها لهالمرحلة"
رفعت يدها ببطء و لمست خدها بصدمة عيناها متسعتان غير قادرتين على التصديق هل صفعها للتو انهارت قواها دفعة واحدة و سقطت أرضا و كأن كل ما كانت تتماسك به قد انكسر انفجرت بالبكاء بحرقة موجعة تبكي رين صديقة عمرها التي قد تضيع بسبب رجل أحمق أحبته بإخلاص و لم يعرف كيف يصون هذا الحب
لم يعجبه منظر انهيارها لم يحتمل رؤيتها ضعيفة منكسرة حتى في هذا الوجع اقترب منها و صوته صار قاسيا آمرا
"قومي"
لم تجبه لم تكن تسمع شيئا غير خفقان قلبها و صوت بكائها فصرخ بها
"سما عم قلك قومي! قومي يلا!"
تحاملت على نفسها و نهضت بصعوبة جسدها يرتجف و قلبها مثقل كأنها تحمل حزنا أكبر من طاقتها اقترب منها أكثر و رفع يده يمسح دموعها بخشونة لا تخلو من توتر و هو يقول بحزم
"ما بصير تبكي هيك، مش قدام الكل على الاقل. لازم تكوني اقوى من هيك بهالطريقة ما رح تقدري تسندي حدا بضعفك.. لو شافتك مرام وانتي منهارة رح تنهار اكتر"
توقف لحظة ينظر في عينيها ثم أكمل بنبرة أقل حدة لكنها أكثر عمقا
"لازم تتماسكي"
ثم قال و كأنه يمسك بها من آخر خيط يمنعها من السقوط
"عشان رين"
اقترب خطوة و أردف بصوت آمر هادئ
"يلا"