الفصل 10
مرت مدة اطول و خلال تلك الفترة بدأت اشياء كثيرة تتغير بهدوء لم يكن صاخبا لكنه كان عميقا بما يكفي ليقلب موازين داخلية لم تعتد رين على مواجهتها جلست مع سما و مرام في غرفتهن و للمرة الاولى لم يكن الحديث ضحكا او مزاحا بل قرارا جديا خرج من قلب متردد و خوف قديم قررت رين ان تعترف بحبها لهيثم و لم تكن لتصل الى هذه الجرأة لولا تشجيعهما المستمر كلامهما كان صريحا و حاسما لا تراجع فيه و كل واحدة منهما كانت تدفعها خطوة الى الامام حتى شعرت رين ان التراجع سيكون خيانة لنفسها قبل اي شيء
قالت سما و هي تنظر لها بثبات
"رين اذا ما حكيتيله هلق رح تضيعي بحسرة العمر كله"
بلعت رين ريقها و قالت بصوت خافت
"بس بخاف يكون ما حاسس فيني اصلا"
تدخلت مرام بسرعة و نبرتها واثقة
"و اذا ما كان حاسس؟ اقل شي بتكوني ريحتي قلبك و سكرتي هالباب بايدك مو بايد الخوف"
في ذلك اليوم اقيمت حفلة فاخرة لاحد رجال الاعمال تمت دعوة كبار الاسماء اليها كان كنان والد رين من بينهم و كذلك مراد والد سما و سعيد والد مرام و وجودهم جميعا جعل الامر يبدو اقل رهبة بالنسبة لها كانت الحفلة رسمية و فخمة الاضواء خافتة و الموسيقى هادئة و الوجوه مليئة بالاقنعة الاجتماعية رأت رين في هذه الليلة فرصة ذهبية لن تتكرر بسهولة هيثم سيكون هناك و هي ليست وحدها الفتيات معها و عائلتها قريبة منها شعرت بقلبها يخفق بقوة لكنها اقنعت نفسها ان هذه اللحظة اما تكون الان او لن تكون ابدا
توقفت سيارة فاخرة عند مدخل القاعة و ترجلت منها سما بصحبة والدها و والدتها بينما فضلت شقيقتها و اخوها البقاء في المنزل سارت بخطوات هادئة خلف والدها و هي تشعر بثقل النظرات و عدسات التصوير التي انهالت عليها للمرة الاولى يظهر مراد الكيلاني ابنته في مناسبة بهذا الحجم و يأخذها معه علنا الى حفلة تضم نخبة رجال الاعمال و سيدات المجتمع دخلوا القاعة بهدوء و اضواء الكاميرات لا تزال تلاحقهم بحثت سما بعينيها سريعا عن مرام و رين لكنها اضطرت ان تلتزم بمكانها خلف والدها الذي بدأ بجولة التحيات الرسمية مصافحة بعد اخرى و ابتسامات متعبة و كلمات مجاملة مكررة شعرت بالملل يتسلل اليها و لم تنتظر اللحظة التي تنتهي فيها هذه الجولة
بعد وقت بدا لها طويلا تحركت اخيرا و اتجهت مباشرة نحو مرام ما ان وصلت حتى سألتها بصوت منخفض
"شفتي رين"
اجابتها مرام بسرعة
"اي شفتها من شوي رايحة عالحمام تعي نلحقها
اعتذرت مرام من والدها بإشارة سريعة و سارت مع سما باتجاه الحمام دخلتا ليجدا رين تقف امام المرآة تعدل احمر شفاهها و تحاول اخفاء توترها اقتربت منها مرام و قالت بحماس واضح
"يلا يا رين اطلعي دوري عليه"
في تلك اللحظة قالت سما بنبرة واثقة و كأنها ترتب خطة معركة
"شفته من شوي واقف مع اخوه و كم واحد رح اروح انا و مرام نوقف معهم بحجة نتعرف عليهم و منلمحله انو في حدا عم يستناه برا ليطلع انتي اطلعي عالحديقة الخلفية و استنيه"
اضافت مرام بسرعة و هي ترفع حاجبها
"اي تماما اقعدي باي مكان و تصرفي طبيعي لا تبيني انك ميتة عليه اعتبريه واحد عادي و بس شوي اعجاب بشكله"
اومأت رين برأسها و هي تأخذ نفسا عميقا تحاول تثبيت قلبها الذي يخفق بعنف ثم خرجت الثلاثة من الحمام كل واحدة منهن تحمل دورها في الخطة و لا واحدة تعرف كيف ستنتهي هذه الليلة لكنها بدأت بالفعل.
وقفت مرام إلى جانب إيهم بينما اقتربت سما معها لتقف بمحاذاتها ترفع رأسها بهدوء لتقع عيناها عليه مباشرة كان واقفا بكامل حضوره المعتاد هادئا أكثر مما ينبغي و كأن الضجيج من حوله لا يعنيه ابتسمت بخفة و اقتربت من جانبه مبتعدة خطوة عن مرام مدت يدها لتصافحه بثقة ظاهرية تخفي تحتها توترا خفيفا
"كيفك... قيس؟"
أومأ برأسه و هو يبادلها ابتسامة حقيقية نادرة الظهور و كأن ملامحه استجابت لها دون إرادته
"بخير.. انتي كيفك"
"كمان بخير فرحت بشوفك"
"و انا اكثر تصدقي"
مالت قليلا نحوه بطريقة بدت مقصودة للعيان لكنها عفوية و همست قرب أذنه بصوت منخفض
"بالله ايا واحد من اخواتك بكون هيثم"
تجمد للحظة و شعر بتيار غير مريح يشق صدره لمجرد سماعه اسمه من فمها سكت ثانية واحدة أكثر مما يجب فرفعت نظرها إليه باستغراب و كررت بنبرة مستعجلة
"يلا بسرعة لازم اخبره شي ضروري"
نظر إليها أخيرا و سألها بصوت هادئ يخفي خلفه حدة واضحة
"شو بدك منه"
ابتسمت ابتسامة صغيرة و قالت
"بخبرك بس سر بيناتنا"
أومأ دون تعليق فتابعت بسرعة
"في وحدة برا عم تستناه ضروري يطلعلها"
ثبت نظره في عينيها طويلا نظرة جعلتها تشعر بعدم ارتياح قبل أن يقول ببرود محسوب
"هيثم مش من هاد النوع"
عقدت حاجبيها بدهشة حقيقية
"ايا نوع؟ شو قصدك؟"
اقترب نصف خطوة و قال بنبرة مباشرة جافة أخجلتها
"نحن مش جايين نقضي وقت مع حدا يا سما ورانا شغل و هيثم بالذات ما رح يضيع وقته مع وحدة من الموجودين"
شعرت و كأن كلماته صفعتها علنا احمرّت عيناها غضبا و ارتفع صدرها بأنفاس متسارعة قبل أن تقول بتهديد واضح لا لبس فيه
"اوعك مرة تانية تحاكيني بهي الطريقة يا قيس بيك انا ما عم اطلب منه يقضي ليلة مع رفيقتي و الي هي بنت عمتك بالمناسبة الموضوع واضح.. في حديث بدها تبلش فيه معه و اذا تفكيرك بهالدنائة فالحق علي انا اني اجيت احاكيك من الاساس"
استدارت بعصبية لتغادر لكنه أمسك بمعصمها بسرعة قبل أن تبتعد شعر بثقل ما قاله و بالأثر الذي تركه فيها فشد قبضته لحظة ثم أرخاها و هو يلتفت برأسه نحو هيثم
"هيثم اطلع شوف مين عم يستناك بالحديقة"
أومأ هيثم بطاعة و تحرك دون سؤال
أما قيس فسحب سما خلفه من جديد بخطوات سريعة لكنه لم يتجه نحو الحديقة بل انعطف بها إلى إحدى الغرف الجانبية البعيدة عن العيون مغلقا الباب خلفهما بهدوء ثقيل يوحي بأن ما سيقال هنا لن يكون عابرا أبدا