الفصل 8
اليوم كان اخر يوم قبل الرحلة الى انجلترا و كانت الاستعدادات تسير بهدوء.. حقائب السفر اغلقت الساعة تجاوزت الواحدة ليلا و لم يعد امامها سوى ان تنام لتستيقظ باكرا و تواجه يوما طويلا لا يشبه ما سبقه
و في مكان اخر وصل الخبر اليه دون تمهيد غدا سترحل فكرة واحدة كانت كافية لتدفعه الى قرار سريع لم يمنح نفسه وقتا لمراجعته لم يكن يريد ارباكها في ليلتها الاخيرة و لا ان يضيف عبئا جديدا الى قلقها لكنه لم يقبل ان تمر فكرة الرحيل هكذا من دون ان يراها امسك هاتفه و اتصل فجاءه صوت جواد متثاقلا
"حدا بتصل بهالليل يا زلمة"
لم يتأخر قيس في الرد و كانت نبرته ثابتة لا تحمل مجالا للمساومة
"بدي شوفها بكرا قبل ما تسافر كيف ما بهمني"
جلس جواد معتدلا و قد فهم ان الامر يتجاوز الفضول
"انت لسا مصر على تفكيرك يا قيس قلتلك ما بينفع"
لم يناقش قيس و لم يبرر اكتفى بجملة واحدة قالها ببرود محسوب
"مش مشكلتي رتب طريقة تخليني شوفها بكرا وياريت لوحدنا"
أغلق المكالمة و بقي جواد ينظر الى الهاتف لثوان قليلة مدركا ان هذا القرار لم يكن مزاح او مجرد كلام.. قيس فعلا يقصد ما يقوله.. هو يريدها و سيحصل عليها حتما
في صباح اليوم التالي وقف جواد امام نافذة غرفته بينما كان يمسك هاتفه واضعا اياه على اذنه يستمع الى صوت الرنين بترقب لم يطل الانتظار حتى اتاه صوتها اخيرا
"جواد.. صباح الخير.. كيفك"
تنفس بارتياح خفيف قبل ان يجيب
"بخير.. انتي احوالك"
جاءه صوتها هادئا كعادته
"بخير.. غالبا عندك طلب مش هيك؟"
صمت لثوان قليلة و هو يبحث عن الصيغة المناسبة ثم قال
"اعتبريه طلب اذا بدك.. بس انا بدي اوصلك للمطار بنفسي انتي ورين"
ضحكت سما بخفة و قالت بنبرة ساخرة
"اوووه شو هالاخلاق الكريمة يا جواد باشا شو صايرلك من ايمتى هيك"
رد عليها بنبرة متغاظة
"محسستيني عمري ما كنت منيح تجاهكم جد انكم ناكرين للمعروف"
ساد صمت قصير قبل ان يعود صوتها اكثر جدية
"جواد شو السبب الحقيقي يلي مخليك تتصل فيني ما تلعب علي و تقلي بدي وصلك انت بالذات ما عندك هيك حركات"
شعر جواد بالارتباك فقد اصابت الهدف تماما و لعن في داخله حظ قيس الذي اختار فتاة بهذا القدر من الذكاء و قرر ان يلتف على الموقف فاختار النبرة التي يعرف انها تؤثر فيها
"شبك يا سما ترا انا كمان اخوكي مثلي مثل عمر بس على كبير و من حقي اجي ودع اخواتي لما يسافروا شو اللي طلبته يعني مرة وحدة بحياتي طلعت مشاعري و هي ردة فعلك"
سكتت سما و قد تسلل اليها شعور خفيف بتأنيب الضمير فحاولت ان تخفف الجو و قالت بنبرة مرحة
"اي حقي استغرب برو كنا نترجاك توصلنا للمدرسة ترفض فجأة صرت حنون و بدك توصلنا للمطار كمان"
ابتسم جواد و قال بخفة
"اي صارت و طلعت حنيتي ما خربت الدنيا يعني"
ثم اضاف بنبرة حاسمة
"انا ورين حنكون عندك لما تتصلي "
بعد مدة اتصلت سما بجواد تخبره انها جاهزة للمغادرة فاجابها انه في الطريق و طلبت منه ان يستعجل بسبب اقتراب موعد الطائرة و ان اهلها قد غادرو بالفعل انتظرت لبعض الوقت و مع مرور الدقائق بدأ القلق يتسلل اليها و عندما شعرت بتأخره اتصلت به مرة اخرى تسأله اين وصل فجاءها صوته مترددا قليلا
"سمعي يا سما انا عنجد اسف بس دولاب السيارة فجأة عطل و مش قادرين نمشي رح اضطر اتصل على اهلك يرجعوا ياخدوا ياخدوكم معهم"
توتر صوتها وهد هي تجيب بسرعة
"اهلي وصلوا المطار من شوي. ما عاد يقدروا يرجعوا لانو لسا في مشكلة صغيرة بالاوراق لازم يحلوها الحجز تغير و انا ما بقدر اروح بسيارتي لانو ما في حدا استلمه المفتاح بعدين"
تظاهر جواد بالتفكير لبضع ثوان قبل ان يقول بنبرة مترددة
"طيب سمعي عندي حل بس ما بعرف اذا حيعبجك"
لم تتردد و هي ترد بقلق واضح
"يعمي شو ما كان المهم نوصل المطار قبل ما الطيارة تتسكر و تروح علينا السفرية"
تنفس جواد بعمق قبل ان يقول
"بقدر اتصل بواحد من ولاد خالي يجي ياخذك و التاني ياخذنا انا و رين"
ساد صمت قصير على الخط قبل ان تقول
"لا رح اتصل باوبر"
رد بسرعة و كأنه كان ينتظر هذه الجملة
"يا سما الاوبر بده وقت ليوصل ترا"
قالت بتسرع و حسم
"طيب موافقة شو ما كان المهم نمشي"
بعد وقت توقفت سيارة فاخرة سوداء امام قصر مراد ال الكيلاني نزل منها بهدوء واغلق الباب خلفه قبل ان يرفع نظره الى المكان باحثا عنها.. رآها تجلس على كرسي في الحديقة الامامية تحدق في الفراغ و ملامح الحزن واضحة على وجهها اقترب منها بخطوات ثابتة و وضع يده فوق حقيبتها بهدوء ثم نظر الى وجهها و قال
"ما بيلبقلك الزعل عفكرا"
رفعت نظرها اليه بسرعة و وقفت بتوتر واضح ثم بدأت تتكلم بلا توقف و كأن القلق سبق كلماتها
"انا اسفة عنجد اذا كنت عم عطلك عن شغلك والله ما كان قصدي بعتذر جد والله كنت رح اطلب اوبر بس جواد اص.."
قاطعها عندما وضع سبابته برفق على فمها لتصمت و قال بنبرة هادئة
"ما عم تعطليني عن شي بالعكس.. مبسوط اني حوصلك.. صدقيني"
ابتسمت بخجل واضح بينما انحنى هو و.حمل حقيبتها ليتجه بها نحو السيارة و يضعها في الصندوق ثم فتح لها الباب جلست الى جانبه و هي تنظر امامها و تعبث بيديها بحرج بينما جلس هو خلف المقود و ادار المحرك و انطلق بالسيارة خطف لها نظرة سريعة ثم قال
"ايمتى الطيارة حتقلع"
نظرت الى هاتفها و.اجابت
"بعد خمسة واربعين دقيقة"
اومأ بهدوء و قال
"مش ضروري تتوتري كل هالقد عفكرا اذا راحت عليكي بتروحي بالرحلة اللي بعدها"
توترت ملامحها اكثر قبل ان تقول بصوت خافت
"بالحقيقة انا بتوتر كون بمكان لحالي و ما بعرف فيه حدا لهيك خايفة اضطر اسافر لحالي"
قال بهدوء دون ان ينظر اليها
"رين معك و انا كمان لو حابة"
نظرت اليه بسرعة ثم خفضت عينيها بخجل واضح و شعرت ان كلماته لامست شيئا دافئا في داخلها حتى لو حاول عقلها ان يقنعها انه لم يقصدها
لكنه كان يقصدها تماما...