سَلَبَنِي سَلَامِي - الفصل 6 - بقلم ســوريــــا | روايتك

اسم الرواية: سَلَبَنِي سَلَامِي
المؤلف / الكاتب: ســوريــــا
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 6

الفصل 6

في اليوم التالي أُقيمت الحفلة الفاخرة التي أعلن عنها أحد كبار رجال الأعمال، رجل يعرفه الجميع بصفته مالك شركة عريقة، بينما يعرفه القلّة بحقيقته الأخرى. عنوان الحفلة كان بسيطًا و بريئًا في الظاهر أربعون عامًا على تأسيس الشركة الصحف تحدثت عنها كإنجاز اقتصادي، و الضيوف العاديون حضروها بدافع المجاملة أو الطموح، أما الحقيقة فكانت مدفونة خلف الابتسامات و الكؤوس اللامعة. فهنا، في هذا المكان المترف، كان يجلس أخطر من عرفتهم هذه الدوائر تجار مخدرات سماسرة أسلحة وسطاء بشر رجال لا يكتب التاريخ أسماءهم، لكنه يعرف آثارهم جيدًا جلس قيس بينهم بهدوئه المعتاد، يحمل كأسه بين أصابعه دون أن يشرب إلا القليل. السكر ليس جزءًا من عمله، هذا قانونه الذي لا يكسره، هو و إخوته. عيناه كانتا تتحركان ببطء، تلتقط التفاصيل، الوجوه، الإشارات الصغيرة، النظرات التي تقول أكثر مما يُقال علنًا. اقتربت منه امرأة شقراء، ملامحها جميلة لكن غير متزنة، رائحة الكحول تسبقها بخطوتين. ابتسمت له ابتسامة جريئة، مالت نحوه أكثر مما ينبغي، و بدأت تحاول جذبه للحديث، للمس، لأي شيء يخرجه من هدوئه. "ليش هيك قاعد لحالك… الحفلة مولعة و انت شكلك مش مستمتع" لم يجبها فورًا، اكتفى بنظرة باردة قصيرة، ثم نظر حوله لثانية واحدة فقط. كانت الإشارة كافية الخطة بدأت أمسك بيدها فجأة، جذبها خلفه بثبات أربكها لكنه لم يزعجها، بل زاد من ضحكتها السكرى. تحرك بها نحو السلالم، صعدا إلى الطابق العلوي حيث كانت الغرفة جاهزة، تمامًا كما أُمرَت الخادمة التي تعمل هناك، الجاسوسة التي فتحت الباب و اختفت بصمت. داخل الغرفة، أُغلِق الباب خلفهما، و بدأت المرأة تقترب أكثر، غير واعية تمامًا لما يحدث، تظنه مجرد نزوة عابرة مع رجل جذاب. "واضح إنك مو متل الباقي… فيك شي مختلف" اقترب قيس خطوة، صوته كان منخفضًا، ناعمًا على غير عادته. "يمكن… أو يمكن انتي اللي مو مركزة منيح" ضحكت، اقتربت أكثر، بينما كان هو يراقب كل حركة، كل كلمة، ينتظر اللحظة المناسبة ليبدأ بسحب الخيوط واحدة تلو الأخرى. لم يكن هنا من أجلها و لا من أجل المتعة كان هنا من أجل المعلومات و من أجل الشحنة و من أجل لعبة يعرف جيدًا كيف ينهيها لصالحه و ها قد بدئت بعد وقت قصير، و بعد أن انتزع منها كل ما يحتاجه من معلومات، اقترب منها قيس بهدوء محسوب. كانت ملامحها مترهلة، و عيونها نصف مغلقة، جسدها مستسلم دون إدراك. أخرج من جيبه حبة صغيرة، بالكاد تُرى، أمسك بذقنها بثبات لا يقبل الرفض و أجبرها على ابتلاعها دون عنف زائد، فقط حزم بارد لا يعرف الشفقة. حبة واحدة كانت كفيلة بأن تغرقها في نوم عميق، نوم بلا أحلام، و بلا ذاكرة. حين تستيقظ لاحقًا، لن تتذكر وجهه، و لا الغرفة، و لا الكلمات التي قالتها، و كأن تلك الساعة لم تمر من حياتها أصلًا تركها ممددة مكانها، عدّل سترته، و غادر الغرفة بهدوء، أغلق الباب خلفه دون أن يلتفت. عاد إلى مكانه في الحفلة، استعاد ملامحه الهادئة، و كأن شيئًا لم يحدث. من بعيد، كان إيهم يراقبه. تقدّم نحوه بخطوات مترددة، و عيناه تحملان سؤالًا واضحًا. "خلصت؟ و لا لازم أنا كمان أنفّذ؟" سار قيس أمامه دون أن يتوقف، نبرته كانت جافة، مليئة بالاستفزاز. "بزعجني كتير قديش إنك جبان" توقّف إيهم في مكانه، و قال بانزعاج صريح. "يا قيس مو قصة خوف، قصة قرف… شوف أشكال النسوان هون، فوق المية لمسوا كل وحدة فيهن، ما بقدر كون رقم مية وواحد" ضحك قيس بسخرية خافتة، التفت إليه بنصف ابتسامة باردة. "عود خبر جاسر بيك إنك مش لهالنوع من المهمات يا بطل" تركه خلفه و مضى بخطوات سريعة، عاد إلى قلب الحفلة و كأن شيئًا لم يخرج عن الخطة. أما إيهم، فبقي واقفًا في مكانه، لم يتحرك، نظره معلّق بظهر أخيه، بين الضيق و الارتياح، مدركًا أن هذا العالم لا يشبهه… و لن يشبهه يومًا. أما عند هيثم، فكان المشهد مختلفًا قليلًا. وقف قرب المدخل الخارجي للقصر، حيث الهواء أبرد و الضجيج أخف، يراقب امرأة تقف وحدها عند الباب، تستند إلى الجدار و تنفث الدخان بكسل. لم تكن سيجارة عادية، و كان ذلك كافيًا ليؤكد شكّه. منذ لحظة وصوله للحفلة و هو يراقب الوجوه، يعرف من ينتمي لهذا العالم ومن جاء مجرد واجهة، و هذه كانت واحدة منهم دون شك. تقدّم نحوها بخطوات هادئة، توقف أمامها مباشرة، وقبل أن تنطق بكلمة كان قد اقترب منها فجأة، قبلة أربكتها أكثر مما فاجأتها. اتسعت عيناها لثانية، ثم ضحكت بخفة، ظنّت الأمر مجرد اندفاع عابر في حفلة لا تخلو من التجاوزات. "شو هالجرأة" لم يجبها، اكتفى بابتسامة جانبية و هو يمسك بيدها، جذبها خلفه بثقة واضحة، نفس الأسلوب، نفس الخطة، لكن بطريقته الخاصة. تحرك بها نحو الداخل، نحو السلالم، حيث لا أسئلة و لا شهود، و كل شيء يبدو و كأنه جزء طبيعي من الفوضى الأنيقة التي تملأ المكان. كانت تسير خلفه دون مقاومة، نصف وعي، نصف فضول، بينما كان ذهنه يعمل بهدوء، يكرر الخطوات التي يعرفها جيدًا، دون انفعال، دون تردد. لم يكن يبحث عن متعة و لا عن مغامرة بل عن معلومة واحدة قد تغيّر مسار صفقة كاملة