سَلَبَنِي سَلَامِي - الفصل 5 - بقلم ســوريــــا | روايتك

اسم الرواية: سَلَبَنِي سَلَامِي
المؤلف / الكاتب: ســوريــــا
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 5

الفصل 5

وقف قيس في القبو المظلم أسفل قصره، المكان الذي لا تصله أصوات الخارج و لا يعرف الرحمة، الضوء الأصفر الخافت المتدلّي من السقف كان يهتز ببطء، كأنه شاهد صامت على ما يجري، و رائحة الدم و الرطوبة امتزجت في الهواء حتى صار التنفس بحد ذاته فعلًا مؤلمًا. أمامه كان الرجل الأربعيني مرميًا على الأرض، جسده مشوه بالكدمات، الدم جاف على وجهه و يديه، و أنفاسه متقطعة، عاجزًا حتى عن الجلوس من شدة ما ذاقه من تعذيب منذ الليلة الماضية. رفع رأسه بصعوبة، و عيناه غارقتان بالهلع، و صوته خرج مخنوقًا متوسلًا و هو يرجوه أن يتركه و شأنه، يقسم له أنه لن يعيدها، و أنه أخطأ. لم يتحرك قيس فورًا، بقي واقفًا ببرود قاتل، ينظر إليه كما لو كان ينظر إلى شيء فقد قيمته، ثم قال بصوت ثابت لا يحمل ذرة انفعال إن الفرص لا تُعطى مرتين، و إنه كان يعرف جيدًا أن الخيانة في قاموسهم لا تُغتفر و لا يُرحم صاحبها، و مع ذلك اختار أن يبيعهم للشرطة. اقترب خطوة، فارتجف جسد الرجل رغم أنه لم يعد يملك القدرة على الحركة، و سأله إن كان يظن نفسه ذكيًا حين حاول أن يؤمّن نفسه، مؤكدًا له أن لا ضابط في هذا العالم قادر على حمايته بعد ما فعل. حاول الرجل الدفاع عن نفسه، أعاد الكذبة ذاتها، قال إنهم جبروه، أقسم و بكى و توسل، لكن قيس قاطعه بحدة و سأله كيف عرفوه من رجالهم أصلًا، و كيف يُجبر شخص على الخيانة إن لم يكن ضعيفًا من الأساس. طال توسّل الرجل، تكسرت كلماته، تداخلت مع شهقاته و بكائه، لكنه لم يكن يسمع سوى صدى صوته المرتد عن الجدران، أما قيس فقد حسم أمره منذ اللحظة الأولى، فالخيانة عنده لا تُناقش و لا تُفهم، بل تُمحى. استدار ببطء، و كأن ما خلفه لم يعد موجودًا، قال كلمة واحدة فقط أنهوا بها كل شيء، كلمة قصيرة لكنها كانت أثقل من الرصاص. "اقتلوه" ارتفع صراخ الرجل للحظات، ثم خفت، ثم اختفى، و بقي القبو غارقًا في صمته الثقيل، بينما كان قيس يغادر المكان بهدوء، يعدّل سترته و كأن شيئًا لم يحدث، فبالنسبة له لم يكن هذا إلا تنفيذ حكم تأخر قليلًا. غادر قيس قصره مع أول خيوط الليل، سيارته تشق الطريق بثبات، و على وجهه تلك الابتسامة الخفيفة التي لا تظهر إلا عندما يكون كل شيء قد سار كما خطط له تمامًا. لم يكن مستعجلًا، فالأمر انتهى، و النتائج مضمونة. وصل إلى قصر رئيسه بعد وقت قصير، و دخل بخطوات واثقة، كأن المكان له بقدر ما هو لغيره. اقترب من جاسر، ملامحه تحمل نصرًا صامتًا، وقبل أن يتكلم كان السؤال قد خرج. "قتلته؟" أومأ قيس برأسه بابتسامة مغرورة. "أكيد" لم يكتفِ جاسر بذلك، نظر إليه بنظرة فاحصة و سأله بهدوء مدروس. "و المعلومات اللي وصلت للمخابرات عنا… شو صار فيها؟" اقترب قيس أكثر، صوته كان ثابتًا و هو يشرح و كأنه يتحدث عن صفقة عادية. "حطيتها براس اي عصابة صغيرة بتاجرو بالمخدرات ولا كانها كانت تسايم شحنة ضخمة.. و بعتت شوية شباب صغار للمشفى مع اصابات خطيرة بالرصاص عشان تتوهم المخابرات انهم نفسهم الي قوصوهم بهديك الليلة " توقف لحظة، ثم أكمل ببرود. "و أمرت الشباب يحطوا كميات معقولة من المخدرات ببيوتهم، بحال صار تفتيش مفاجئ" ابتسم جاسر ابتسامة رضا واضحة، و قال بفخر صريح. "مخ شغّال… ما بينام" بادلَه قيس ابتسامة مقتضبة، و كاد أن يتحرك، لولا أن فُتح الباب و دخل هيثم في تلك اللحظة. تقدّم بخطوات هادئة، وقف إلى جانب قيس، ثم نظر إلى جاسر الذي كان بالنسبة له أكثر من مجرد رئيس، و قال باحترام. "نعم يا جاسر بيك، طلبتني؟" رد جاسر و هو يشير بيده. "استنوا شوي… على ما يجي إيهم، عندي خبر مهم" لم تمضي لحظات حتى دخل إيهم، ألقى التحية بأدب واضح، ملامحه تحمل رهبة المكان رغم طبيعته المرحة. هنا، في هذا القصر، لا مكان للضحك و لا للعفوية، القوانين واضحة: احترام، التزام و هدوء. أشار لهم جاسر بالجلوس. تقدّم قيس و جلس أولًا، تبعه إيهم، بينما جلس هيثم مقابلهم، ينتظر ما سيُقال. ساد صمت ثقيل قبل أن يتكلم جاسر أخيرًا. "بكرا في حفلة… الوفد الإيطالي جاي، و معهم نسوان كثار" رفع نظره إليهم واحدًا واحدًا، ثم تابع بلهجة لا تقبل النقاش. "هالنسوان مو مجرد مرافِقات، هني جزء مهم من المجموعة، و عندهن معلومات حساسة" توقف قليلًا، ثم قال ببرود قاسٍ. "رح تضطروا تلبّوا دعواتهم، حتى لو كانت للسرير" شدّ إيهم فكه، بينما بقي قيس ثابت الملامح. "غالبًا ما رح يكونوا واعيين لكل شي… بدّي تستخرجوا منهم كل شي عن الشحنة الجاية، متى، لمين، مع مين، و كم الكمية" قطع هيثم الصمت و سأل. "رح ناخدها؟ أجاب جاسر فورًا. "ايه!" ثم أضاف بنبرة أخطر. "بس ما بدي حدا يعرف إنو نحنا اللي أخدناها. رح يطلع الموضوع كأن الخاين واحد من جماعتهم… و كأن واحد منهم سرق الشحنة لحسابه"