سَلَبَنِي سَلَامِي - الفصل 4 - بقلم ســوريــــا | روايتك

اسم الرواية: سَلَبَنِي سَلَامِي
المؤلف / الكاتب: ســوريــــا
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 4

الفصل 4

ارتمى قيس على السرير أخيرًا، مستسلمًا لإرهاقٍ ثقيل تراكم في جسده، و ما إن أغمض عينيه حتى اقتحمت صورتها عقله بلا استئذان، واضحة حد الإزعاج، ففتح عينيه مجددًا بنفاد صبر، و كأن النوم تواطأ ضده. تذكّر ضحكتها، و نبرتها العابثة حين قالت له مازحة ألا يخطفها و يبيع أعضاءها، جملة قالتها بخفة، لكنها علقت في ذهنه على نحوٍ غريب. تساءل في صمتٍ ساخر إن كانت ستضحك بالطريقة ذاتها لو عرفت أنه يفعل ما هو أسوأ بكثير مما نطقت به، لو عرفت حجم الظل الذي يعيش فيه. حرّك رأسه نافيًا، كأنه يحاول طرد الفكرة بالقوة، لكن محاولته باءت بالفشل، فصورتها لم تفارقه، بل ازدادت حضورًا. مرت ساعة كاملة و هو ممدد في مكانه، عينيه مفتوحتان، ذهنه يعمل على وتيرة لا تهدأ، حتى زفر بضيق و نهض فجأة، متجهًا نحو المطبخ بخطوات ثقيلة، عاري الصدر، شعره مبعثر، و ملامحه مشدودة. اقترب من آلة القهوة و ضغط الزر دون تردد، يراقب الكوب و هو يمتلئ ببطء، مدركًا تمامًا أنه لن ينام هذه الليلة. لم يكن النوم خيارًا عندما يبدأ عقله بالعمل، و حين يفشل النوم، يعود دائمًا إلى ما يتقنه. حمل الكوب بين يديه، ارتشف منه رشفة قصيرة، ثم حسم أمره بهدوء بارد، سيتجه إلى مكتبه، فالعمل أسهل من التفكير، و أكثر أمانًا. صحيح أنه يعمل في الخفاء و يتاجر بالممنوعات بكل أشكالها، لكن خلف ذلك الظل يملك واجهة نظيفة، شركات و أسماء و أرقام صممت بعناية لتخفي جرائمه و تبعد عنه الشبهات، عالم مزدوج يعرفه جيدًا، و يجيد العيش فيه في اليوم التالي عند سما، فكان يومها الأخير في الكلية قبل عطلة الربيع التي تمتد لأسبوعين. وقفت أمام خزانتها ترتب أغراضها بعناية، تضع ما تحتاجه في حقيبتها و تترك ما لا يلزمها، تمرر يدها بين الدفاتر و الملفات مرة أخيرة، حريصة ألا تترك خلفها شيئًا يخصها، فهذه التفاصيل الصغيرة كانت دائمًا ما تشغل بالها. شعرت فجأة بيد تعبث بشعرها من الخلف، فارتسمت ابتسامة تلقائية على شفتيها قبل أن تسمع صوت مرام المألوف، المليء بدلال لا تخطئه. "ما خلصتي لسا" التفتت سما نصف التفاتة و هي تسحب بطاقة صغيرة من زاوية الخزانة، تتفحصها بعين دقيقة قبل أن تضعها في حقيبتها. "قربت، بس بدي اتأكد ما تركت و لا كرت مهم جوّا، بتعرفي ما بصير نترك أوراق أو كروت خاصة" هزّت مرام رأسها بنفاد صبر خفيف، متكئة بكتفها على الخزانة المجاورة. "إي بعرف، يلا خلّصي، بدّي اعزمك على قهوة يختشي" رفعت سما حاجبها بابتسامة مشاكسة و هي تغلق الخزانة بالمفتاح. "من إمتى هالكرم" تنهدت مرام، و صوتها هذه المرة كان أثقل مما اعتادت سما سماعه. "يا ستي خلّصينا، بدّي إحكيلك شي كتير مهم" توقفت سما عن الابتسام، و حدقت بها بتركيز. "خير، شو القصة" أشاحت مرام بنظرها قليلًا ثم قالت بسرعة و كأنها تريد الهروب من الحديث. "كارثة، بس مو هون… خلّينا نطلع و بحكيك برا" لم تسألها سما أكثر، التقطت حقيبتها وخرجتا معًا من الكلية. كان الجو لطيفًا، و الهواء يحمل خفة العطلة القادمة، لكن ملامح مرام لم تشارك هذا الهدوء. سارتا إلى المقهى القريب، جلستا في زاوية بعيدة عن الضجيج، و طلبتا كوبان قهوة ما إن وُضعت الأكواب أمامهما حتى نظرت سما إلى مرام بترقب. "يلا، احكي" أخذت مرام رشفة صغيرة من قهوتها، ثم قالت ببرود مصطنع لا يشبهها. "أنا و حسام فسخنا الخطبة" تجمدت سما لثانية، قبل أن تصرخ دون وعي. "نعم يختييي" انحنت مرام للأمام بسرعة. "وطّي صوتك، فضحتينا" نظرت سما إليها بذهول. "ليش فسختوا الخطبة يا حظي النحس، مو كنتوا حتموتو عبعض" أعادت مرام فنجانها إلى الطاولة، و حدقت فيه و كأنها ترى فيه شيئًا مزعجًا. "لانه ابن أمه" عقدت سما حاجبيها. "شو يعني" رفعت مرام نظرها إليها، و نبرة صوتها بدأت تفقد هدوءها. "من يومين حكيت معه لنتفق على شكل غرفة القعدة" مالت سما للأمام، مصغية باهتمام. "شو صار" "صار يقلي غرفة القعدة متل ما هي، أمي ما بتقبل حدا يغيرها" ضحكت سما بخفة. "و بعدين" "سألته شو خصها، قام عصب و أخذها على خاطره، كأني سبّيتها. حاولت هديه و قلتله طالما البيت بيتنا شو المشكلة إذا غيرتها. قام قالي البيت بيتها قبل ما يكون بيتنا" اتسعت عينا سما. "لا حول ولا قوة إلا بالله" تابعت مرام، و صوتها صار أكثر حدة. "و ضلينا نتناقش الى ما فهمت إنه ناوي يعيشني مع أهله بنفس البيت، مع إني شرطت من قبل الخطبة بيت لحالي، و كان موافق" قالت سما و هي لا تزال تحاول الاستيعاب "إي يعني لهالسبب ابن أمه" رفعت مرام يدها وقالت "لا استني خليني كملك" أكملت بنبرة مستسلمة "حاولت أقنعه نعيش لحالنا، قال أمي ما بتوافق، و ما بقدر أبعد عنها" تجمد وجه سما لثواني حدقت بها بصدمة صامتة، قبل أن تنفجر بالضحك فجأة، ضحكة عالية جذبت الأنظار، و هي تقول بصوت شبه صارخ "لاااا هاد تخطى مرحلة ابن أمه، هههههه، قوليلو يتزوجها بالمرة"