الفصل 3
بعد أن انتهت سما من تجهيز الشاي، خرجت من المطبخ لتجد أن الجميع انتقلوا إلى غرفة المعيشة بعد الانتهاء من تناول العشاء، بينما تحركت زوجة عمها يارا برفقة رين لترتيب طاولة الطعام وإعادة الأطباق إلى المطبخ، تركتهما سما و اتجهت بهدوء نحو غرفة المعيشة، جلست تستمع إلى أحاديث الرجال التي بدت لها مملة إلى حدٍ كبير، تبادلت نظرات سريعة حولها و لاحظت غياب جواد و وأحد الشباب الثلاثة.
رفعت نظرها نحو عمها و سألته بخفّة
"وين جواد يا عمي"
أجابها كنان ببساطة
"طلعوا عالحديقة الخلفية يدخنوا"
أومأت سما بهدوء، و لم تفكّر كثيرًا قبل أن تقرر الخروج هي الأخرى، فالمكان هنا لا يحمل ما يشدها، و رين منشغلة في المطبخ، فاستأذنت و خرجت.
وصلت إلى الحديقة الخلفية، فوجدتهم جالسين في المكان المخصص للجلوس أمام المسبح، أضواء خافتة و انعكاس الماء يملأ المكان بسكون لطيف، اقتربت بخطوات واثقة و جلست إلى جانب جواد، لكنها ما إن فعلت حتى لاحظت الصمت الذي حلّ فجأة، فهمت على الفور أن حديثًا ما قد قُطع بوجودها، فلم تُعلّق، بل التفتت نحو الشاب الجالس قبالتها و سألته مباشرة
"شو اسمك إنت"
رفع قيس نظره إليها للحظة، ثم قال بهدوء
"قيس"
أومأت سما و كأنها حفظت الاسم، ثم التفتت إلى جواد بنبرة آمرة لا تخلو من المزاح
"أنا اللي ساويت الشاي، يعني مجبور تشرب منه، خلّص سيجارتك و الحقني"
نهضت دون أن تنتظر ردًا، و غادرت المكان بخطوات خفيفة، تاركة خلفها نظرات متباينة.
ساد صمت قصير، قبل أن يتكلم قيس بنبرة متسائلة
"قدّيش عمرها سما"
نظر جواد إليه و قال
"يمكن تدخل الأربعة و عشرين بعد كم شهر… ليش"
أجاب قيس و هو ينظر باتجاه البيت
"مبين عليها أكبر"
ابتسم جواد وقال
"من المكياج و طريقة لبسها، بس لو تشوفها لما تنام عنا بالبجامات تبعها الطفولية، بتقول انها اصغر بكثير"
توقف قيس قليلًا قبل أن يسأل
"بتنام عندكم"
هزّ جواد رأسه
"إي، أحيانًا، عشان تسهر مع ليث و رين"
شعر قيس بانزعاج خفيف تسلل إليه دون سابق إنذار، إحساس غريب لم يجد له تفسيرًا واضحًا، و لم يعرف حتى لماذا يجب أن يعنيه هذا الأمر من الأساس، لكنه بقي صامتًا، و عيناه معلّقتان باتجاه الباب الذي دخلت منه، و كأن شيئًا ما بدأ يتحرك داخله دون إذن.
و من دون سابق إنذار، قال قيس لجواد بصوت منخفض لا يقبل النقاش
"بدي منك ترتّبلي مقابلات معها.. على اساس صدفة… بدي شوفها عندكم اكثر من هيك"
تجمّد جواد في مكانه، الصدمة ارتسمت بوضوح على وجهه، نهض بسرعة و قال بحدّة مكبوتة
"قيس… سما ما بتناسبك"
وقف قيس بدوره، نظرته ثابتة وصوته هادئ حدّ الاستفزاز
"ما سألتك أنا"
شدّ جواد فكه و قال بإصرار
"سما ما بصير تدخل العالم تبعك يا قيس، ما رح تقدر تتحمّل قسوته"
اقترب قيس خطوة، قال بثقة باردة
"و إنت شو عرفك، يمكن تقدر"
هزّ جواد رأسه بعصبية و قال
"قيس أنا عم حذّرك، أوعك تقرّب منها أو تحطّها براسك، سما ما بسمحلك تأذيها حتى بكلمة"
اشتعل الغضب في عيني قيس، تقدّم خطوة أخرى و قال بنبرة حادة
"و أنا اللي عم استنّاك تسمحلي مثلًا؟ حطّيتها براسي و مشي الحال، و ما رح يهدالي بال غير لما تنكتب على اسمي و بتشوف"
كاد أن يتحرك باتجاه الداخل، لكن جواد وقف أمامه مانعًا إياه، نظر إليه مباشرة و قال
"ليكون أخدت الموضوع تحدّي"
توقّف قيس للحظة، ثم تحرك بهدوء مفاجئ، تجاوز جواد بخطوة بطيئة، و على شفتيه ابتسامة خفيفة تحمل تخطيطًا واضحًا، و قال و هو يسير نحو الداخل
"لا… عجبتني"
و بتلك الكلمة، ترك خلفه صمتًا أثقل من أي شجار، و صراعًا بدأ قبل أن يعرف أحد كيف سينتهي.
دخل قيس غرفة المعيشة فوجد سما في قلب الحديث كما هي دائما، تضحك بمرحها المعتاد جلس مقابلها بصمت، لم يشارك في الحديث، اكتفى بالمراقبة، و عيناه لا تفارقانها، نظراته لم تكن فضولا عابرا و لا اهتماما عابثا، بل رغبة صريحة هادئة، رغبة رجل اعتاد أن يحدد ما يريد ثم لا يتركه. و مع انقضاء الوقت واقتراب نهاية السهرة، وقفت سما لتغادر، و في اللحظة ذاتها وقف هو ايضا، كأن التوقيت لم يكن صدفة. خرج الصوتان معا دون قصد
"تأخر الوقت رح روح هلا بدكن شي"
تبادلا نظرة قصيرة حملت دهشة خفيفة، ثم ضحكت سما بخفة تخفف ثقل الموقف، و تحركت نحو الخارج بعد ان ودعت الجميع بعفويتها المعتادة. نزلت الدرج بخطوات هادئة، و هو خلفها يحافظ على مسافة محسوبة، بينما في الداخل كان هناك من شعر بان عليه اللحاق بها، احساس غامض بالخطر، كاد جلال ان يتحرك لولا ان صوت والده ثبته في مكانه.
في الخارج استقبلها هدوء الليل، تحركت بخطوات مطمئنة، كادت تتابع طريقها سيرا كما جاءت، لولا ان صوته اخترق السكون و هو يناديها. توقفت و استدارت نحوه، فسألها مباشرة
"كيف جيتي"
لم تفهم قصده في البداية، نظرت اليه باستغراب خفيف، فتابع بنبرة هادئة
"بوصلك اذا حابة احسن ما تمشي بالليل لحالك"
تساءلت في داخلها لماذا قررت المجيء سيرا من الاساس، ثم تذكرت انها ارادت فقط ان تمشي وحدها و تتنفس ذلك الجو الجميل. رآها شاردة، اقترب حتى وقف امامها، و قال بصوت خشن منخفض
"مش رح آكلك اذا ركبتي معي بس مش حابب تمشي لحالك بهالليل"
ابتسمت بحرج واضح و اجابته
"مو هيك القصة بس كنت عم حاول اتذكر ليش ما جيت بالسيارة من الاساس"
رفع حاجبه قليلا و قال
"كل هالوقت مشان تتذكري"
ضحكت بخفة و قالت
"اي والله اهلي بيقولو ذاكرتي ذاكرة سمكة"
ابتسم و اشار نحو الطريق ثم نحو سيارته و سألها
"شو قررتي"
تنهدت كأنها حسمت امرا بسيطا و قالت
"حاجي معك"
سارت خلفه و هي تضيف بمرح
"بس بليز لا تخطفني و تبيع اعضائي"
جلست في السيارة و اغلقت الباب و هي تكمل
"تراني والله صغيرة عالموت"
انطلق بالسيارة و هو يضحك بخفوت، ضحكة لم يعتدها، فهو لا يتقبل عادة من يخففون ثقل الحياة بالمزاح، و لا من لا يأخذون الامور بجدية، لكن معها كان الامر مختلفا، لم تكن مجرد مرح، بل حضور كامل، طريقة، صوت، و حركة تسللت اليه دون استئذان. و مع امتداد الطريق امامه، كان القرار يتشكل في ذهنه بهدوء قاتل، قرار يعرفه جيدا و لا يتراجع عنه، فقد اعجبته، و لذلك قرر امتلاكه