سَلَبَنِي سَلَامِي - الفصل 2 - بقلم ســوريــــا | روايتك

اسم الرواية: سَلَبَنِي سَلَامِي
المؤلف / الكاتب: ســوريــــا
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 2

الفصل 2

دخل قيس المنزل ليجد أخويه، هيثم و أيهم، قد وصلا قبله وجلسا إلى جانب زوج عمته كنان و ابنه الكبير جواد، الحديث كان جاريًا بينهم بخفّة و ضحكات متقطعة تملأ المكان، ضحكات عائلية صادقة لا علاقة لها بما يدور خارج هذه الجدران، بينما كان ليث، الابن الآخر، يجلس على طرف الأريكة، يتصفح هاتفه بهدوء، يرفع رأسه أحيانًا ليتابع الحديث ثم يعود إلى شاشته دون استعجال. ألقى قيس التحية، فقوبل بترحيب حار، و جلس بينهم، و مع وجوده بدا الجو أكثر اكتمالًا، تبادلوا بعض المزاح و الذكريات، و تعالت الضحكات للحظات، كأنهم يحاولون سرقة وقت طبيعي من عالم لا يمنحهم هذه الرفاهية كثيرًا. لم تمضي دقائق حتى دخلت عمته و هي تهلل بصوتها المعتاد، ترحب بالجميع واحدًا واحدًا، تسألهم عن أحوالهم و تغمرهم بدفء لا يتغير، و خلفها كانت رين تساعدها في تجهيز السفرة، تنقل الأطباق و تنسق الطاولة بحركة خجولة، و بين كل ذلك كانت عيناها تنجذبان دون وعي نحو غرفة المعيشة، و تحديدًا نحو هيثم، تراقبه بابتسامة صغيرة سرعان ما تخفيها، و كأنها لم تره منذ زمن طويل، و كيف لا، و هي التي كبرت و مشاعرها تتشكل على حضوره بصمت، دون أن يلاحظ أحد. بعد أن انتهى تجهيز الطاولة، اقتربت رين بخجل واضح، وقفت قرب والدها و قالت بصوت هادئ "بابا… العشا جهز" ابتسم كنان و نهض من مكانه، و تبعه الجميع باتجاه طاولة الطعام، و الدفء العائلي يسبقهم، بينما بقيت بعض النظرات حبيسة الصدور، لا تُقال، لكنها حاضرة، تنتظر وقتها فقط. على طاولة الطعام كان الحديث متداخلًا، أصوات تتقاطع و ضحكات خفيفة تتسلل بين الأطباق، كل واحد منشغل بقصته أو تعليق عابر، إلى أن دوّى صوت كنان فجأة و هو ينظر إلى زوجته و يقول "مراد (شقيقه) حاكاني امبارح" رفعت الرؤوس نحوه في آنٍ واحد، بعضهم توقّف عن الأكل، و بعضهم اكتفى بنظرة سريعة ثم تابع، فواصل كنان حديثه بهدوء "رح يروحوا زيارة أسبوع على إنجلترا" ساد صمت قصير، قبل أن يلتفت كنان نحو ابنته و يضيف "سما سألت إذا رين حابة تروح معهم" أومأت رين بهدوء، محاوِلة إخفاء ما اشتعل في داخلها من سعادة، فهي تحب ابنة عمها سما كثيرًا، يكفي أنها كانت صديقة طفولتها و مراهقتها، الأقرب إليها دائمًا، و الرحلة معها كانت فكرة كافية لتجعل قلبها يقفز فرحًا. سمعت والدها يكمل و هو يراقب ملامحها "و أكّد عليّي اسألك، لأنه كمان حكى مع أبوها لمرام و وافقوا تروح معهم، يعني إذا رفضتي بتكوني الوحيدة اللي ما رح تروحي" رفعت رين رأسها بسرعة و قالت بحماس واضح "مبلا مبلا، موافقة طبعًا" ابتسمت والدتها، بينما تبادل جواد و ليث نظرات خفيفة، و في الجهة المقابلة رفع هيثم نظره عن طبقه و نظر إلى كنان قائلًا "إيمتى رايحين هم ليش" أجابه كنان ببساطة "الأسبوع الجاي" هزّ هيثم رأسه قليلًا ثم قال بنبرة عادية "أنا كمان عندي شغل بإنجلترا" توهّج وجه رين فجأة، لم تستطع منع الابتسامة من الظهور و هي تسمعه، لكن هيثم أكمل بهدوء و هو يعيد تركيزه على الطعام "بس شغلي يومين و راجع بس اكيد حزورهم بهالوقت" و رغم بساطة الجملة، إلا أنها كانت كافية لتقلب مزاج الطاولة كلها بالنسبة لها، جلست بصمت بعدها، و قلبها يسبق الأسبوع القادم بخطوات كثيرة. فجأة، و بينما كان الحديث مستمرًا على الطاولة، دوّى صوت رنين جرس المنزل بصوت مسموع قطع الأجواء، نهض ليث بهدوء و اتجه لفتح الباب، و ما إن فتحه حتى تفاجأ بابنة عمه تقفز نحوه دون تردد، أحاطت عنقه بذراعيها و عانقته بشوق حقيقي، كأنها لم تره منذ سنين طويلة، رغم أنها لم تمضي إلا أيام قليلة. ضحك ليث بخفة و هو يبادلها العناق، قبل أن تتركه فجأة و تدخل بخطوات مسرعة و هي تنادي بصوتها المرح "يا أهل الدار يا خلق يا عالم" انتشر صوتها في المكان قبل حضورها، اقتربت مباشرة من عمها و عانقته بحيوية، فبادلها العناق بحنان واضح، ثم اتجهت نحو زوجته مبتسمة و قالت و هي تضمها "يوري حبيبتي، مرت عمي الغالية اللي رح توافق إن بنتها تجي معي عالرحلة" ضحكت يارا بمرح و هي تعانقها، بينما نظر كنان إليها مبتسمًا وقال "اقعدي تعشّي معنا" هزّت رأسها بحماس و قالت بسرعة "تعشّيت، بس رح روح ساوي شاي و أجيكم" دخلت المطبخ و هي تتنطط بخفة، تاركة خلفها أثرًا من الضحك و الطاقة، ابتسم كنان بهدوء و هو يتابعها بنظره، و بعد لحظات لحق بها ليث نحو المطبخ، فرغم صمته الدائم و قلة حديثه، إلا أنه كان يحب الكلام معها، فهي تضيف بهجة حتى إلى من لا يحبون الضجيج. نظر أيهم إلى كنان و قال باستغراب خفيف "مش هي بنت أخوك يا عمي" ابتسم كنان و قال "إي هي هيه، بشحمها و لحمها" تدخلت يارا و هي تنظر إلى أيهم بابتسامة عارفة "تراهن إنها إجت تقنعنا تاخد رين معها احتياط لو كنا رافضين" ضحك الجميع على الطاولة، ضحك عفوي خفيف، إلا اثنين، هيثم الذي لم يكن كثير الضحك و لا الكلام بطبعه، و قيس، الذي لم يعرف سببًا واضحًا لعدم انزعاجه من حديثها و.بهجتها المبالغ بها، رغم أن هذا النوع من الطاقة كان يزعجه عادة، لكنه هذه المرة اكتفى بالمراقبة بصمت، و كأن شيئًا غير مألوف مرّ به دون أن يترك أثرًا مزعجًا