سَلَبَنِي سَلَامِي - الفصل 1 - بقلم ســوريــــا | روايتك

اسم الرواية: سَلَبَنِي سَلَامِي
المؤلف / الكاتب: ســوريــــا
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 1

الفصل 1

كانت الشحنة على وشك أن تُسلَّم، و كل شيء يسير وفق الخطة الموضوعة بدقة، المكان اختير بعناية، و الوقت كذلك، و الرجال انتشروا بوجوه عادية تخفي خلفها توترًا مكتومًا، و قيس كان يقف بعيدًا خطوة عن الجميع، يراقب المشهد بعين خبيرة لا تغفل تفصيلًا واحدًا، لا يحب الاقتراب في اللحظات الأخيرة، فهنا تُرتكب الأخطاء، و مع الإشارة المتفق عليها بدأ الانسحاب بهدوء، كأن العملية انتهت دون أثر. لكن في اللحظة التي تحركت فيها أول سيارة، انفجر الليل بضوء أبيض قاسٍ، أعقبه صوت صفارات مزّق السكون، و تجمّد المكان لثانية واحدة فقط قبل أن يتحول إلى فوضى كاملة. "الشرطة هون! امشو بسرعة" تداخلت الأصوات، ارتفعت الصرخات، و انطلقت الطلقات النارية دون تمييز، لم يعد واضحًا من يهاجم من، و لا من يهرب ممن، اختلطت النسب، و سقطت الخطة كما تسقط قطعة زجاج على أرض صلبة. تحرك قيس فورًا، لم يحتج إلى أوامر، جسده يعرف متى ينسحب، اتجه نحو سيارته بخطوات سريعة محسوبة، يتفادى الأضواء و يتجاوز الفوضى كأنه جزء من الظل، كان على بعد خطوات قليلة حين اخترق الألم جانبه فجأة، إحساس حارق جعله يختنق بنَفَس واحد، رصاصة طائشة خرجت من جهة لم يرها. شدّ على فكه، ضغط على الجرح بيده دون أن يتوقف، فتح باب السيارة و دخلها بسرعة، صوته خرج منخفضًا و هو يدير المحرك "مش وقته ابدا" انطلقت السيارة في اللحظة التي بدأت فيها الشرطة تطوق المكان، و اختفى قيس بين الشوارع المظلمة، تاركًا خلفه فوضى و أسئلة، و كأن وجوده في تلك الليلة لم يكن سوى وهم مرّ بسرعة ثم تلاشى. وصل قيس بعد مدة إلى المقرّ الرسمي ، القصر الخاص برئيسه، متجاوزًا البوابة الثقيلة بخطوات أبطأ مما اعتاد عليه، يده تضغط بقسوة على موضع الجرح في ذراعه، و الدم يتسرّب رغم محاولته كتمه، لم يسمح للألم أن يظهر على ملامحه، فهنا لا مكان للضعف حتى لو كان ثمنه النزف، دخل القاعة الواسعة و تقدّم حتى جلس أمام الرجل الجالس خلف المكتب الكبير، جاسر، الرجل الذي لا يعرف الرحمة في هذا العالم، و الذي رغم قسوته كان يرى في قيس أكثر من مجرد مساعد، كان يراه كابن لم ينجبْه. رفع جاسر عينيه عن الأوراق أمامه، و ما إن وقعتا على ذراع قيس حتى تغيّر شيء في نظرته، لم يتكلم فورًا، حدّق به لحظات صامتة، ثم قال بصوت منخفض يحمل قلقًا نادرًا "شو اللي صار" لم يجب قيس مباشرة، اكتفى بإرخاء كتفيه قليلًا كأن الأمر لا يستحق، لكن الدم الذي لطّخ يده فضحه، فنهض جاسر من مكانه بسرعة، اقترب منه، و نادى باتجاه الباب "جيبو دكتور فورًا" توقّف لحظة أمامه، نظر إلى الذراع المصابة بشفقة لم يكن من السهل تخيّلها على وجه رجل مثله، ثم قال بنبرة أخف من المعتاد "قلتلك ما تضحي بحالك بهالطريقة" رفع قيس نظره إليه أخيرًا، صوته خرج ثابتًا رغم الألم "خلصت الشغلة… و الباقي بسيط" لم يعلّق جاسر، لكنه بقي واقفًا قربه، يراقبه بصمت، مدركًا أن هذا العالم قد يعتاد الدم، لكنه لا يعتاد خسارة رجال مثل قيس. بعد مدة.. بعد أن غادر تلطبيب الغرفة و أغلق الباب خلفه وقف قيس بثبات كأن ما حدث قبل قليل لم يكن أكثر من تفصيل عابر، شدّ سترته فوق ذراعه المصابة، و استقام في وقفته شامخًا كما اعتاد، لا أثر للألم على ملامحه، وكأن الرجل الذي كان مستلقيًا تحت يد الطبيب قبل دقائق لم يكن هو ذاته. رفع رأسه و نظر إلى جاسر بنظرة عميقة و هو يقول بهدوء مدروس "ما بتوقّع الضباط وصلوا لمكاننا صدفة"ذ تغيّرت ملامح جاسر قليلًا، و حدّق به بعين خبيرة تعرف هذا العالم جيدًا، ثم سأله بصوت منخفض "مين ممكن يكون وراها" لم يتوقف قيس عن الحركة، كان يلتقط مفاتيحه و يستعد للخروج، و قال بثقة باردة لا تعرف التردد "اتركها عليّ، رح أعرف مين ورا هالشي، و رح يندم على هيك خيانة… عن إذنك هلق" فتح الباب و غادر دون أن ينتظر ردًا، بينما بقي جاسر واقفًا مكانه، يتابع الفراغ الذي خلّفه خروجه، و تمتم بينه و بين نفسه بنبرة قاتمة "اللي عملها استعجل موته، ما بعرف حاله هاد مين عم يخون، شكلو ناسي مع مين لعب" خرج قيس من القصر بأكمله، ركب سيارته و انطلق بها نحو منزله، الطريق كان هادئًا على غير عادته، بدّل ملابسه الملطخة بالدماء سريعًا، وكأن ما حدث لا يستحق الوقوف عنده، ثم غادر مجددًا متجهًا إلى منزل عمته، فقد اتفقت معه ومع إخوته على دعوتهم اليوم للعشاء، ليلة عائلية عادية في الظاهر، لكنها بالنسبة له كانت استراحة قصيرة بعد يوم طويل خطر على حياته