الفصل الثاني
الفصل الثاني
الغرفة اللي ما كانت موجودة
باب الدور العلوي كان مفتوح نص فتحة.
ما فيه أحد قدامه.
ما فيه يد مسكته.
بس مفتوح… كأنه ينتظر.
رهف أول وحدة رفعت رجلها على أول درجة.
مو لأنها أشجعهم.
لكن لأنها أكثرهم تعودت تمشي باتجاه الشيء اللي يخوفها.
نورة مسكت ذراعها بخفة.
"استني. يمكن في تفسير بسيط."
رهف ما التفتت.
"قولي لي تفسير يمشي على درج."
سلمان كان يراقبهم بصمت. عيونه ما تفوته زاوية.
واضح إنه مو مرتاح… بس مو مرتبك.
كأنه شاف شيء مشابه قبل.
الدرج كان خشب قديم، وكل خطوة تصدر صرير خافت.
البيت ساكت فجأة.
العاصفة برا تصرخ، لكن هنا… كأن الجدران عازلة كل شيء.
وصلوا للدور العلوي.
الممر طويل.
على الجهتين أبواب مغلقة.
وفي آخره… باب واحد مفتوح.
هو نفسه اللي انفتح قبل شوي.
نورة همست:
"مين فتحه؟"
سلمان رد بهدوء:
"السؤال الأهم… ليه؟"
دخلوا الغرفة.
غرفة نوم قديمة.
سرير حديدي، خزانة، مكتب صغير جنب النافذة.
الستارة تتحرك بخفة رغم إن الشبابيك مسكرة بإحكام.
رهف مشت للمكتب.
كان عليه غبار خفيف… إلا في نقطة وحدة.
نقطة كأن أحد حط يده عليها قريب.
سحبت الدرج.
فاضي.
لكن تحت الدرج… ورقة مطوية.
ترددت لحظة.
ثم فتحتها.
الخط قديم… لكن واضح.
"إذا وصلتوا لهنا، فهذا يعني إن اللعبة بدأت."
نورة شهقت بخفة.
"أي لعبة؟"
رهف أكملت القراءة:
"البيت ما يختار ناس عشوائيين.
كل واحد فيكم له علاقة بالماضي.
واحد منكم يعرف الحقيقة كاملة… لكنه ما راح يقول."
الجو تغير.
التوتر صار ملموس.
نورة التفتت بسرعة لسلمان.
"أنت تعرف شيء؟"
سلمان رفع حاجبه.
"لو أعرف، ليه أجي؟"
رهف ما كانت تركز عليهم.
كانت تركز على آخر سطر.
"السر في الغرفة اللي ما كانت موجودة."
صمت.
نورة ضحكت ضحكة قصيرة متوترة.
"حلو. الحين نبحث عن غرفة ما كانت موجودة."
قضوا الساعة اللي بعدها يفتحون كل باب.
غرف نوم.
حمام.
مخزن صغير.
ما فيه شيء غريب… إلا إحساس إن المكان أكبر من مساحته.
رهف وقفت فجأة وسط الممر.
عيونها تتحرك بين الجدران.
"حاسين إن الممر أطول من قبل؟"
سلمان ما رد مباشرة.
لكن نظر لنهاية الممر… ثم لنفس المكان مرة ثانية.
كان فعلاً أطول.
مو كثير.
بس كفاية يربك.
نورة بلعت ريقها.
"قولوا إن هذا وهم."
رهف مشت ببطء لنهاية الممر.
كانت فيه لوحة قديمة على الجدار… ما لاحظوها أول مرة.
لوحة لوجه رجل.
ملامحه صارمة.
عيونه تلاحقك أين ما رحت.
أسفل اللوحة، اسم محفور بخفة:
"عبدالمحسن المرزوقي"
رهف جمدت.
هذا اسم الرجل اللي ورثها المزرعة.
لكنها ما قد شافته في حياتها.
سلمان اقترب.
ملامحه تغيرت لحظة… ثم رجعت هادئة.
نورة لاحظت.
"تعرفه؟"
سلمان تأخر ثانية زيادة قبل ما يرد.
"سمعت عنه."
رهف نظرت له مباشرة.
"وين؟"
"كان شريك أبوي… زمان."
الكلمة نزلت ثقيلة.
رهف قلبها دق بقوة.
أبوها توفى قبل ثلاث سنوات.
ولا مرة ذكر اسم عبدالمحسن.
ليش؟
العاصفة برا صارت أعنف.
صوت ارتطام قوي هز الجدار.
وفجأة…
انطفت الأنوار مرة ثانية.
لكن هالمرة…
ما كانوا تحت.
هم فوق.
والممر صار مظلم بالكامل.
نورة مدت يدها تمسك رهف.
"لا تتحركون."
وفي العتمة…
جاء صوت.
مو خطوات.
مو ريح.
صوت تنفس.
قريب جدًا.
رهف حسّت بالهواء الدافئ جنب أذنها.
صوت منخفض قال:
"أخيرًا اجتمعتم."
صرخة نورة قطعت السكون.
سلمان شغل كشاف جواله بسرعة.
الممر فاضي.
ما فيه أحد.
لكن…
الباب اللي كان مسكر في منتصف الممر…
صار مفتوح.
باب ما فتحوه قبل.
رهف همست:
"هذي مو من الغرف اللي شفناها."
سلمان تقدم ببطء.
الغرفة كانت ضيقة.
جدرانها عارية.
وفي منتصفها… مرآة كبيرة.
لكن المرآة ما تعكس الغرفة.
تعكس… الممر.
بس الممر في الانعكاس كان أطول بكثير.
وأغمق.
وفي آخره…
شخص واقف.
ملامحه مو واضحة.
لكن واقف يناظرهم.
نورة شهقت:
"قولوا لي إني أتخيل."
رهف ما قدرت تتكلم.
الشخص في المرآة…
رفع يده ببطء.
ولوّح.
لكن الثلاثة واقفين قدام المرآة… ما حد منهم تحرك.
سلمان همس لأول مرة بنبرة مو واثقة:
"هذي… الغرفة اللي ما كانت موجودة."
وقبل ما يستوعبون اللي يصير…
الشخص داخل المرآة بدأ يمشي.
خطوة.
خطوة.
باتجاههم.
لكن مو داخل الغرفة…
داخل الانعكاس.
وكل ما اقترب…
الممر الحقيقي خلفهم بدأ يطول.
الجدار يبتعد.
الدرج يختفي.
البيت… يتغير.
رهف أدركت شيء فجأة.
البيت ما كان مسكون.
البيت كان ينتظرهم عشان يبدأ.
وآخر شيء شافوه قبل ما ينطفي الكشاف فجأة…
كان وجه الشخص داخل المرآة.
وجه يشبه…
واحد منهم..