الفصل الاول
«♪الـــــگــــاتـــبـــه مــــلـــــاگ♪»
﴿ مـــــــــــــــــــمــــــــيــــــــــزة ﴾
الطريق اللي ما له رجعة
الساعة كانت قريبة من المغرب، والسماء فوق طريق القصيم صارت بلون نحاسي ثقيل، كأنها تستعد تبلع الشمس دفعة وحدة.
رهف كانت تسوق لحالها، ماسكة الدركسون بإيدين ثابتة رغم إن قلبها مو ثابت أبدًا.
الغبار بدأ يرتفع قدامها، دوامات صغيرة تكبر كل دقيقة.
الجوال فقد الإشارة قبل نص ساعة، والراديو ما عاد يجيب إلا تشويش.
كان المفروض توصل المزرعة قبل الغروب.
المزرعة اللي ما قد شافتها، لكنها ورثتها فجأة.
ورثتها من رجل ما تعرفه.
اسم المزرعة: المرقاب.
على أطراف الصحراء.
بعيدة عن أي شيء.
وقفت السيارة لحظة لما صارت الرؤية شبه معدومة.
نزلت، والهواء لف عباءتها بقوة، الرمل يلسع وجهها.
في البعيد…
شافت البيت.
كان واقف لحاله وسط الأرض الفاضية، دورين، لونه أبيض قديم متشقق، الشبابيك مسكرة بإحكام.
ما فيه أنوار.
بس فيه شيء… يخليك تحس إنه يراقبك.
رجعت ركبت، وساقت ببطء لين وصلت الباب الحديدي الكبير.
كان مفتوح.
وهي ما تحب الأبواب المفتوحة.
داخل السور، الأرض مفروشة بحصى، وكل خطوة للسيارة تصدر صوت طحن واضح.
البيت أقرب الآن.
والإحساس أثقل.
قبل ما تطفي السيارة، شافت سيارة ثانية مركونة جنب المدخل.
وقلبها نزل.
ما قيل لها إن فيه أحد.
باب البيت انفتح ببطء…
وطلع رجل طويل، لابس ثوب أبيض بدون شماغ، شعره مرتب، ملامحه حادة.
نظر لها وكأنه كان ينتظرها.
قال بصوت هادي:
"تأخرتِ."
رهف ما نزلت.
نزلت عيونها أول.
"وأنت مين؟"
ابتسم ابتسامة خفيفة ما توصل عيونه.
"سلمان. وأظن إننا شركاء."
كلمة "شركاء" نزلت عليها مثل حجر.
"أنا ورثت المزرعة لحالي."
"واضح إن فيه أشياء ما قيلت لك."
داخل البيت، الجو أبرد من برا.
مو برد هواء… برد إحساس.
الأثاث قديم لكنه نظيف.
كأن أحد مهتم بالمكان رغم إنه بعيد عن الناس.
رهف جلست قباله، والمسافة بينهم مليانة توتر.
"مين اللي عطاك حق تكون هنا؟"
"نفس الشخص اللي عطاك."
وسحب ملف من على الطاولة.
فيه أوراق رسمية.
اسمها موجود.
واسمه موجود.
نص الملكية لكل واحد منهم.
رهف حست إن الأرض تميد.
هي ما كانت جاية تبني شراكة.
كانت جاية تهرب.
قبل ما تكمل كلامها، انفتح الباب مرة ثانية.
دخلت بنت بشعر قصير، عيونها حادة، نظرتها قوية.
ترفع حاجبها باستغراب لما شافتهم.
"لا تقولون لي إني وصلت متأخرة."
رهف التفتت.
"وأنتِ بعد؟"
البنت حطت شنطتها بقوة على الأرض.
"نورة. وأظن إن هذي مزرعتي بعد."
الصمت تمدد.
ثلاثة غرباء.
نفس الدعوة.
نفس الميراث.
ونفس الشعور إن فيه شيء غلط.
الهواء برا بدأ يعوي.
العاصفة وصلت.
النوافذ اهتزت بقوة، والأنوار طفّت فجأة.
البيت صار مظلم بالكامل.
نورة تمتمت:
"قولوا لي إن هذا طبيعي."
سلمان وقف بسرعة.
"المولد في الخلف. بروح أشغله."
رهف حسّت بشيء غريب…
مو بس عاصفة.
في اللحظة اللي فتح فيها سلمان الباب الخلفي…
سمعوا صوت باب علوي يُغلق بعنف.
كلهم تجمدوا.
نورة همست:
"في أحد فوق؟"
رهف نظرت للسلم.
الدور الثاني مظلم بالكامل.
وسلمان رجع ببطء، وجهه متغير.
"أنا ما فتحت أي باب."
في اللحظة نفسها…
جاء صوت خطوات واضحة من فوقهم.
خطوة.
خطوتين.
ثلاث.
كأن أحد يتمشى بهدوء… ويعرف إنهم يسمعون.
رهف حاولت تقنع نفسها إنه صوت الرياح.
لكن الرياح ما تمشي بإيقاع منتظم.
الخطوات توقفت فوق رؤوسهم مباشرة.
ثم…
صوت سحب شيء ثقيل على الأرض.
ونورة قالت بصوت منخفض جدًا:
"احنا مو أول ناس هنا."
العاصفة اشتدت.
البيت اهتز.
وفجأة، من العتمة، جاء صوت رنين قديم…
كأنه جرس داخلي.
مرة وحدة.
بس كافية تخلي الدم يبرد.
رهف رفعت رأسها ببطء.
والإحساس اللي جاها كان واضح:
المزرعة ما ورثتهم.
المزرعة استدعتهم.
ونهاية الفصل ما كانت في العاصفة…
كانت في اللحظة اللي انفتح فيها باب الدور العلوي…
ببطء…
بدون ما أحد يلمسه.