صقر العدالة - الفصل الأخير: نهاية كتبها الصقر - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: صقر العدالة
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الأخير: نهاية كتبها الصقر

الفصل الأخير: نهاية كتبها الصقر

اعترافات الدم والألم: ساد الكوخ سكونٌ خانق، لا يقطعه إلا أزيز الحطب في المدفأة. وقف ثيودور أمام إيديث، يده المرتجفة تحاول ملامسة كتفها، وهمس بصوتٍ يملؤه الندم: "إيديث.. أخبريني من فضلك، ماذا فعل بكِ هذا الشيطان؟ لقد أمرتُه بأن يأخذكِ لمكانٍ آمن، لم آمره قط بقتلكما!". أغمضت إيديث عينيها المنطفئتين، وكأن الظلام استدعى ظلاماً أقدم منه بمرارة ستة عشرين عاماً.. كانت الرياح تلطم جنبات العربة الملكية الصغيرة، ورايدن الصغير يغط في نومٍ عميق بين ذراعيها. وفجأة، توقفت الخيول عند صخور التنين الوعرة. انفتح الباب بعنف، وامتدت يد فاليريان الغليظة لتنتشل إيديث من شعرها بقوةٍ صهرت صراخها في حنجرتها. جرّها نحو الحافة حيث الهاوية تبتلع زبد البحر الهائج. "ماذا تفعل يا فاليريان؟! الملك قال إننا سنرحل لبر الأمان! اتركنــي!" صرخت وهي تحاول التحرر منه. ضحك فاليريان بسخرية تقطر سماً: "الأمان هو القبر أيتها الخادمة الوضيعة، الملك يريد غسل عاره، وأنا لا أترك خلفي آثاراً." وبدفعةٍ وحشية، ألقاها نحو الهاوية. تشبثت إيديث بيد واحدة بصخرةٍ حادة جرحت كفها، وباليد الأخرى ضمت رايدن إلى صدرها كأنها تحميه من الموت. صاحت بقلبٍ يتمزق: "اقتلني أنا! لكن خذ طفلي.. إنه لا ذنب له.. إنه مجرد رضيع يا فاليريان، أرجوك!". انحنى فاليريان فوقها ببرودٍ مرعب، ورفع قدمه ليضرب ذراعها التي تحمل الطفل. صرخت إيديث صرخةً شقت عنان السماء وهي تراه يسقط.. يسقط كعصفورٍ جريح في جوف الأمواج العاتية. وقبل أن تستوعب الفاجعة، هوى بمقبض سيفه الثقيل على رأسها، ليتهاوى جسدها خلف طفلها في البحر. عادت إيديث إلى الحاضر بشهقةٍ لاهثة، والدموع تحفر أخاديد على وجهها: "هذا ما حدث يا ثيودور... قتل ابنك أمام عيني بدمٍ بارد." ارتمى ثيودور تحت قدميها باكياً: "أقسمُ لكِ لم آمر بهذا! ظننتكما رحلتما بعيداً! لقد نفذ أمر أمي، وأنا لم أعلم إلا بعدما عاد للقصر." ثم نهض فجأة وسألها بلهفة المجنون: "رايدن ابني.. كيف كان يبدو؟ أخبريني عن أدق تفاصيله!" قالت إيديث بحنينٍ مُر: "كان غاية في الجمال.. يحمل علامة الهلال على رقبته، تلك العلامة التي تورثها سلالة عائلتكم. وعيناه.. كانتا عسليتين تشوبهما خطوطٌ زرقاء، كأنها بحيرة من العسل انعكست عليها زرقة السماء الصافية." "ماذا قُلتِ؟" صرخ ثيودور، واهتز كيانه بالكامل. اندفع سيلاس من مكانه، وصوته يرتجف: "سيدة إيديث... هل كان طفلك يرتدي قلادة؟ أجابت إيديث بذهول: "نعم.. قلادة ذهبية عليها نقش وردة الرياح، أهداها ليّ ثيودور في ليلة زواجنا." أخرج ثيودور من تحت ثيابه قلادةً مطابقة، بينما كان سيلاس يخرج قلادةً عتيقة من داخل حقيبته، وضعها بجانب الأخرى.. كانت النسخة الأصلية التي عثر عليها مع ألفارد الرضيع. ساد صمتٌ مرعب، صمتٌ تنحني له الجبال. تمتم ثيودور والذهول يشل أطرافه: "ألفارد... صقر العدالة... هو رايدن؟! هو ابني؟!" سقط على الكرسي وهو يبتسم ويبكي في آنٍ واحد: "قلبي لم يكذب... حين احتضنتُه يوم الزفاف شعرتُ بدفء غريب يسري بداخلي... حين رأيتُه في الغابة أحسستُ بروحي تنجذب إليه... كنتُ أكذب عيني وأصدق قلبي!" صرخت إيديث بهستيريا وهي تمسك بملابس ثيودور: "إنه في القصر! سيقتله فاليريان! ابني سيموت مرة أخرى بسبب فاليريان يا ثيودور! ألحق به وأنقذه!" انتفض الجميع بآليةٍ عسكرية؛ ثيودور استعاد هيبة الملك، وسيلاس وكاليب استلوا سيوفهم. صرخ ثيودور بصوتٍ زلزل أركان الكوخ: "هيا بنا... سنذهب إلى القصر! اليوم سنغسل عار الظلم بالدم، والويل لكل من يقف بيني وبين ابني مجدداً!" انطلق الموكب في عتمة الليل كالسهام المنطلقة نحو الهدف، والجميع يركضون، حتى إيديث التي كانت تتحرك بحدس الأم، تقودها إستريد نحو ساحة القتال الأخيرة حيث الصقر يواجه الأفعى وحيداً. فكّ القيد وعودة الفرسان من جوف العتمة: كانت الرطوبة في زنازين القصر تشبه أنفاس الأشباح، باردة وثقيلة. وفي تلك الزنزانة الضيقة، كان إدموند وتيرون يقبعان خلف القضبان الصدئة، يرقبان بصمتٍ قطرات الماء التي تسقط من السقف كأنها عداد تنازلي لأعمارهم. وفجأة، انكسر السكون الرتيب بوقع أقدامٍ عسكريةٍ سريعة لم تكن تشبه مشية حراس السجن المعتادة. لمعت النصال في العتمة قبل أن تظهر الوجوه. اندفع فالاندر، تتبعه ثلة من رجال براين الأشدّاء، وانقضوا على الحرس كذئابٍ جائعة فاجأت قطيعاً غافلاً. لم يدم الصدام طويلاً؛ كانت ضربات رجال براين دقيقة وقاتلة، سقط الحراس الواحد تلو الآخر كأحجار الدومينو، وارتطم جسد كبير الحراس بالحائط الحجري، لتتدحرج حلقة المفاتيح الحديدية على الأرض بصلصلةٍ كانت بالنسبة لإدموند وتيرون أجمل لحنٍ سمعاه منذ أن تم وضعهم في تلك الزنزانة. انتشل فالاندر المفاتيح، ويداه ترتجفان بمزيجٍ من الأدرينالين والارتباك؛ فبالأمس كان يشكل الطين بين يديه، واليوم يشكل مصير مملكة. أدخل المفتاح في القفل، وصرير الحديد وهو يفتح كان يشبه صرخة عتقٍ طال انتظارها. دفع الباب الثقيل ودخل، ليجد إدموند واقفاً بذهول، عيناه الغائرتان تبحثان عن تفسير في هذا الفجر الدامي. "من أنت؟" سأل إدموند بصوتٍ مبحوح، وهو يخطو أول خطوة خارج زنزانته، والحرية تلفحه كنسيمٍ بارد. أجابه فالاندر وهو يمد له يد المساعدة بعد أن أزاح لثام وجهه: "لستُ عدواً يا سمو الأمير، أنا فالاندر، جئتُ لأعيد إليك سيفك.. هيا فالمعركة لا تنتظر!" قبض إدموند على ذراع فالاندر بقوة، وعيناه تلمعان بقلقٍ ملكي: "ابن عمي الملك ثيودور؟ وليوس؟ هل نال منهما ذلك الحقير؟ أخبرني الحقيقة أيها الفتى!" ابتسم فالاندر بمرارة مشوبة بالأمل: "إنهما بخير، الملك وليوس في حماية الصقور والرجال المخلصين. لكن العاصمة تغلي بالخارج، وصقر العدالة يواجه الأفعى فاليريان الآن في أعلى البرج. إنه يقاتل من أجلك، ومن أجل إعادة العرش لمن يستحقه، ومن أجل إيفرونيا وشعبها." تبادل إدموند وتيرون نظرةً سريعة، استعادت فيها أرواحهما بريق المقاتلين. التقط تيرون سيفاً من أحد الحراس الساقطين، وهزه في الهواء ليختبر وزنه، بينما استل إدموند سيف حارسٍ آخر، وشعر ببرودة الفولاذ تعيد الحرارة إلى عروقه. "إذاً هي الجولة الأخيرة،" قال إدموند ونبرته قد تحولت من الانكسار إلى الصلابة الفولاذية: "لن ندع ذلك الشيطان ينتصر. تيرون، ويا رجال براين.. إلى ساحة المعركة! اليوم نغسل جدران هذا القصر من دنس الخيانة، أو نسقط ونحن نحاول." انطلقوا جميعاً كالسيل الهادر عبر الممرات الضيقة، وقع أقدامهم يزلزل أركان السجن، وصوت صليل سيوفهم يبشر بقدوم العاصفة. كان إدموند يركض ومشاعر التيه تتبدد من داخله، مستبدلةً بيقينٍ واحد: أنَّ الحق مهما حُبس في زنزانة، لا بد أن يجد يداً شريفة تكسر له القيد، وقلباً شجاعاً يقوده نحو النور. ذروة الصقيع... بزوغ الحقيقة: فوق سطح البرج، حيث تعانق الغيوم سماء قمم الحجارة الباردة، كان الموت يرقص بين نصلين. ألفارد، الذي تحول إلى كتلة من الغضب الصامت، كان يقاتل بقدرة التركيز النفقِيّ بشكل لم يسبق له مثيل؛ العالم حوله تلاشى، ولم يبقَ سوى فاليريان وحركاته التي بدت بطيئة أمام عينيه التي استعارت حدة الصقور. انقض ألفارد بضرباتٍ متلاحقة جعلت فاليريان يتراجع مترنحاً، حتى فقد الطاغية توازنه وسقط على الأرض، يلهث ذعراً بينما ارتفع سيف ألفارد عالياً، يلمع ببريق العدالة الأخير، متأهباً لإنهاء كابوس إيفرونيا بضربة قاضية. وفجأة، انشق سكون الموت عن صرخةٍ اخترقت حجاب التركيز المطلق كصاعقةٍ مزقت كبد السماء. صوتٌ يعرفه ألفارد في خلايا جسده قبل ذاكرته... صوت إيديث من الأسفل، صرخةٌ محمولة على رياح اليقين: "ألفارد! يا ولدي.. أنا أمك الحقيقية، يا ألفارد! والملك ثيودور هو أبوك.. أنت رايدن ابني، أنت سليل العرش، يا ألفارد!" تزلزل كيان ألفارد. في جزء من الثانية، انكسر قيد التركيز النفقي، والتفت برأسه نحو الأسفل بذهولٍ شلّ أطرافه. كانت تلك اللحظة هي كل ما يحتاجه الشيطان الجريح؛ وبخسةٍ تليق بتاريخه، استل فاليريان سيفه وغرسه بكل حقد في بطن ألفارد. شهق ألفارد شهقةً مكتومة، بينما اقترب فاليريان من أذنه وهمس بفحيحٍ أفعواني: "لتمت بصمت يا ابن الخادمة... ستموت نكرة كما ولدت نكرة، وسأحفر قبرك بنصلي هذا." حرّك فاليريان النصل داخل الجرح بوحشية، ثم سحبه ليتدفق دم رايدن الملكي على أحجار البرج. لم يكتفِ بذلك، بل انهال عليه بضرباتٍ قاطعة بسيفه مزقت صدره، وختم جريمته بركلةٍ عنيفة في صدر ألفارد، قذفت بجسد صقر العدالة من أعلى حافة البرج نحو الهاوية. لكن العدالة لم تكن لتنام في تلك الليلة. وبينما كان فاليريان يطلق ضحكة نصرٍ مجنونة، اخترق نصلٌ فضيٌّ ظهره ليخرج من صدره في مشهدٍ حبس الأنفاس. جحظت عينا فاليريان، والتفت ببطء ليرى وجه فالاندر، الذي وقف بملامحٍ صلبة كالصوان، وعيناه الخضراوان تشتعلان بنورٍ غريب. "هذا من أجل كل حياةٍ أفسدتها.. يا أبي." قالها فالاندر بمرارة، قبل أن يسحب سيفه ويترك جثة فاليريان تتهاوى هامدة على الأرض كخرقةٍ بالية. لم ينتظر فالاندر لحظة واحدة، بل ألقى بسيفه واندفع نحو السلالم بجنون، والدموع تخنق صوته وهو يصرخ بإسم صديقه الذي هوى نحو المجهول. سُقوط الصقر وعناق الأرض والسماء: كان الجسدُ يهوي كقطعة من ليلٍ تمزقت عن سماء إيفرونيا. في تلك الثواني الممتدة كأبدٍ كامل، توقفت الرياحُ عن العويل في أذني ألفارد، وتلاشى ضجيجُ القتال. مرَّ شريطُ حياته كشهابٍ يحترق؛ رأى سيلاس وهو يمازحه أمام المقلاة ويعدُّ له'عجة البيض بالبصل' التي يعشقها، شاماً رائحة الحطب الممتزجة بضحكات أوليفر عندما يمكث ببيته ويلعب مع كاليب. استشعر دفء أحضان إستريد التي أرضعته من حنانها قبل حليبها، وتذكر ملمس أصابع إيديث وهي تداعب خصلات شعره حين تضيق به الدنيا فيضع رأسه على فخذها باحثاً عن السكينة. رأى التمثال الخشبي الصغير الذي نحته كاليب لأجله كعربون إخوة أبدية، وسمع صدى مزاح داريو وإسفين الصاخب. تراءى له فالاندر وهو يتلقى السهم بدلاً منه بفدائية، ونظرة ثيودور الثاقبة التي كانت تبحث عن شيء مفقود في عينيه، وصورة ليوس وهو يتشبث بيده ويأخذ منه وعداً قاطعاً بالعودة. أغمض ألفارد عينيه، واستسلم للجاذبية التي كانت تشده نحو قدره الأخير، وهمس في أعماقه: "لقد أوفيتُ بالوعد يا إيفرونيا..." وفجأة، انشق السحاب عن رعدٍ أسطوري. ثلاثة صقور عملاقة انقضت من كبد السماء كسهامٍ أسطورية؛ واحدٌ منها، بمخالب قوية وحانية في آنٍ واحد، انتشل جسد ألفارد من براثن الفراغ قبل أن يرتطم بالموت. في مشهدٍ أعاد للأذهان تلك الليلة التي نجا فيها رضيعاً، هبط الصقر المهيب وسط الساحة الملكية، ووضع جسد صقر العدالة النازف بين يدي إيديث وثيودور. اندفع الجميع في ملحمة من الذعر والدموع. جثا ثيودور على ركبتيه، ونزع القناع الأسود عن وجه ابنه بجمودٍ كسرته رجفة يديه، ليظهر وجه رايدن الضائع. صرخ ثيودور بصوتٍ مزق نياط القلوب: "لا تمت الآن! ليس بعد ستة وعشرين عاماً من التيه! افتح عينيك يا رايدن.. أنا أبوك يا ولدي، عد إليَّ!" ارتمت إيديث فوق جسده، تتحسس جراحه بصرخاتٍ يائسة: "يا نور روحي، يا نبض قلبي الذي عاد ليُذبح أمام عيني! استيقظ يا ألفارد، لا تتركني لتذهب للموت مرة أخرى!" صاح سيلاس وهو ينتحب كطفل: "قم يا بني.. لقد وعدتني أن تكون بجانبي... قم يا صقر الجبال!" وانهمرت كلمات الرفاق كالسيل؛ داريو يصرخ بقوة: "لا تستسلم يا ألفارد، المعركة لم تنتهِ بعد!" وإسفين همس بانكسار: "انهض يا صديقي، لا تتركنا." بذل ألفارد مجهوداً خرافياً، وارتجفت جفونه ببطء لتنكشف عيناه العسليتان اللتان غام فيهما بريق الحياة. في تلك اللحظة، هبط صقره الصغير آرس على صدره، مطلقاً صرخة حزينة هزت الأرجاء. جالت نظرات ألفارد الضعيفة على الوجوه المحيطة به، رآهم جميعاً كأطيافٍ ضبابية، لكن عينيه استقرتا أخيراً على وجه أخيه ليوس. ارتجف صوت ليوس وهو يمسك يد أخيه الباردة: "وعدتني بالعودة يا أخي.. الصقور لا تكسر وعودها، أرجوك لا ترحل!" نظر ألفارد إلى ليوس نظرةً أخيرة، نظرةً محملةً بكل الحب، والاعتراف، والوداع المر. ابتسامة واهنة جداً رسمت طيفها على شفتيه الملطختين بالدم، قبل أن تنزلق رأسه ببطء للخلف ويفقد وعيه تماماً بين أيديهم. وفي تلك اللحظة، انفتحت أبواب السحب، وهطل المطر بغزارةٍ مرعبة، وكأن الطبيعة تشارك إيفرونيا غسل دماء بطلها، واختلطت صرخات الجميع بوقع قطرات المطر الثقيلة، في مشهدٍ جنائزي مهيب، حيث يرقد صقر العدالة بين حياةٍ يرفضها وموتٍ يلاحقه، تحت سماءٍ مكتظة بالسحب التي لم تعد تعرف كيف تبكي إلا بالرعد والدموع. تطهيرُ العرش ونبلُ الأنساب الضائعة: تحت المطر الذي انهمر كأنه يحاول غسل خطايا قرنٍ مضى، وقف الملك ثيودور بصلابة الجبال التي لا تنحني للعواصف. التفت نحو الحراس ورجال براين الذين تجمهروا بصمتٍ مهيب، وصوته الجهوري شقَّ عباب النحيب: "احملوا الأمير رايدن إلى الجناح الطبي! الآن! ليفسح الجميع الطريق، هيا!" وبسرعةٍ فاقت الريح، رُفع جسد ألفارد المسجى فوق الأكتاف، بينما كانت إستريد تُحكم قبضتها على يد إيديث المرتجفة، تقودها في ظلامها نحو رائحة ابنها، وخلفهم انطلق سيلاس واوليفر وليوس وكاليب وداريو وإسفين كالظلال التي لا تفارق جسدها. التفت ثيودور نحو براين، والبرق يعكس بريق الصرامة في عينيه: "أين ذلك النجس؟ أين فاليريان؟" أجابه فالاندر، وصوته خرج مبحوحاً من بين شفتيه المرتجفتين: "لقد انتهى أمره يا مولاي.. سيفي غرس العدالة في ظهره، وهو الآن جثةٌ باردة فوق سطح البرج." هز الملك رأسه بوقار، وأصدر أوامره لبراين وتيرون بتنظيف فوضى المعركة وملاحقة الفلول، ثم صعد السلالم الحلزونية نحو القمة، يتبعه إدموند وفالاندر الذي كان يجر خطاه كأن الأرض تحت قدميه من زجاج. فوق السطح، كانت جثة فاليريان ملقاةً كخرقةٍ بالية، عيناه الزجاجيتان مفتوحتان بذهولٍ أبدي. وقف ثيودور أمامه، واستل سيفه الملكي في حركةٍ خاطفة أنعكس فيها وميض البرق الخاطف على النصل، وبضربةٍ واحدة مشبعة بحقد ستة وعشرين عاماً من الخديعة، فصل رأس فاليريان عن جسده، ليتدحرج الرأس بعيداً كحجرٍ منبوذ. "لا كرامة للخونة حتى في موتهم." قال ثيودور بجمود: "ادفنوا الجسد في مكانٍ لا تصله شمس، ولا يزوره إنسان." التفت الملك ليرى فالاندر واقفاً في الزاوية، منكس الرأس، كأنه يحمل عار العالم فوق كتفيه. كان الفتى يرتجف، ليس من البرد، بل من حقيقة أنَّ الدم الذي يسكن عروقه هو نفس الدم الذي لوَّث هذا المكان. تقدم ثيودور نحوه بخطواتٍ ثقيلة، وبدلاً من السباب أو الغضب، مد ذراعيه القويتين واحتضن فالاندر بقوةٍ أذابت الجليد في قلبه. "ارفع رأسك يا بني." همس ثيودور وهو يشدد من ضمة ذراعية: "البذرةُ الصالحة لا تُلام على فساد التربة التي نبتت فيها. لقد قتلتَ الشيطان بيدك، وهذا نبلٌ لا يملكه إلا العظماء. أنت من نسلي، وستظل ابني الذي وهبني القدر إياه قبل أن تكون أخاً ليّ.. دمُك اليوم تطهر بفعلك، فلا تدع ظل فاليريان يسكن روحك." انفجر فالاندر بالبكاء فوق كتف الملك، بكاءً غسل عنه سنوات التيه والشك. مسح ثيودور على شعره الأشقر، ثم ابتعد قليلاً ونظر إليه وإلى إدموند: "والآن.. لننزل إلى رايدن. فالمعركة الكبرى الآن هي مع الموت الذي يحاول اختطاف صقرنا." تحرك الثلاثة نحو الجناح الطبي، يحدوهم أملٌ هش وقلقٌ عظيم، بينما كانت ممرات القصر تهمس باسم رايدن العائد من بين الأمواج، ليعيد رسم خارطة المملكة بدمه النازف. معركة الصقر بين الفقد والرجاء: داخل الجناح الطبي الملكي، كانت رائحةُ الأعشاب المحروقة والزيوت النفاذة تمتزجُ برائحة الموت الصامتة التي بدأت تفوح من جسد ألفارد المسجى. كان الفراش الحريري الأبيض قد استحال لوحةً قانية بالدماء التي ما زالت تنزف من ثنايا جروحه، بينما كان الحكيم إلدريد يتحرك بيدين مرتجفتين كأنهما غصنان يابسان في مهب ريح عاتية. انفتح الباب بهيبةٍ منكسرة، ليدخل الملك ثيودور يتبعه فالاندر وإدموند. تجمدت الأنفاسُ حين وقعت أبصارهم على ألفارد؛ جسدُه كان أشبه بساحة معركة مزقتها النصال. طعنة البطن كانت فجوةً تبتلعُ الحياة، والضربات القاطعة على صدره بدت كشروخٍ في تمثالٍ رخامي نادر أوشك على التحطم. "أخبرني أيها الحكيم." همس ثيودور: "هل سيفلتُ من بين أيدينا مرةً أخرى؟" رفع إلدريد رأسه، وعيناه غائرتان من التعب: "جراحهُ يا مولاي ليست في الجسد فحسب، بل هي نزيفُ روحٍ أرهقتها المطاردة. الطعنة غائرة، والحديد وصل لعمقٍ لا تُدركه العقاقير. لم يتبقَّ لنا إلا الكيّ.. النارُ هي ملاذنا الأخير لإغلاق بوابات النزيف، لكنه غارقٌ في غيبوبةٍ تشبه الموت، لا يسمع ولا يشعر." جثت إيديث بجانب الفراش، لمست يد ألفارد الباردة، وانفجرت في بكاءٍ مرير زلزل جدران المكان: "يا ولدي.. يا صقري الذي لم يهنأ بعشه... لا تتركني الآن! لقد وهبتني عيناي الضائعتين حين عُدت، فلا تسرق مني نور روحي!" صرخاتها كانت كسهامٍ تخترق صدور الحاضرين، بينما كانت إستريد تضمها وهي تنتحب بصمت، وسيلاس يقف في الزاوية، يده على وجهه، يحاول كبت دموعه وهو يرى نفسه يفقد ابنه الذي ملأ فراغ حياته. تقدم الحكيم إلدريد بقطعة حديدية توهجت تحت النار حتى صارت كجمرةٍ من جحيم. لمس المعدن المحمّر لحم ألفارد الممزق وتصاعد دخانٌ أبيض حمل معه رائحة الوجع الصامت. لم يتحرك ألفارد، كان ساكناً كجبلٍ من جليد، مما زاد من ذعر ليوس الذي ارتمى عند قدمي الفراش وهو يبكي: "أرجوك يا أخي.. لقد وعدتني.. قلتَ إنك ستعلمني الصمود، فلا تمُت وتتركني جباناً وحيداً!" دنا ثيودور من ابنه، ووضع يده على وجنة ألفارد الشاحبة، وهمس بمرارةٍ تقطر من قلبه: "يا رايدن.. يا ابن الخطايا التي غسلها دمُك.. قُم وخذ حقك، أو خذ روحي فداءً لك. كيف للقدر أن يمنحني كنزاً في المساء، ويسلبه مني قبل الفجر؟" داريو وإسفين وكاليب وقفوا كأعمدةٍ منكسرة، عيونهم مثبتة على صدر ألفارد الذي كان يرتفع وينخفض بصعوبةٍ بالغة، كطائرٍ يحاول الطيران بجناحين مهشمين. فالاندر كان يراقب المشهد بذهول، وبداخله يود أن يمد يده ويلمس جرح ألفارد ويعتذر منه عن ذنبٍ لم يرتكبه بنفسه، بينما كان الحكيم يواصل عمله القاسي، يكوي جرح تلو الآخر في محاولةٍ يائسة لترميم ما حطمه فاليريان. خيم السكونُ إلا من حشرجة أنفاس ألفارد المتقطعة، وصوت المطر في الخارج الذي كان يغسلُ جدران القصر الباردة، بينما كانت القلوبُ داخل الجناح تتأرجحُ بين يأسٍ ينهشُ الأمل، وأملٍ يصارعُ الموت في صمت تلك الليلة الطويلة. أنهى الحكيم إلدريد كَيّ آخر جرحٍ في صدر ألفارد، ويداه ترتجفان من وطأة المسؤولية التي حملها طوال هذا الوقت. وضع القطعة الحديدية المحمرة في حوض الماء لتصدر نزيقاً أخيراً خافتاً، ثم مسح جبينه بظاهر كفّه الملطخ بالمراهم والدم، والتفت إلى الوجوه المحتشدة حول الفراش، والتي كانت أنفاسها تضيق الخناق على المكان. قال إلدريد بصوتٍ أجش يملؤه التعب: "لقد فعلتُ ما بوسعِ بشريٍّ أن يفعل.. النارُ أغلقت بوابات النزيف، لكنها لم تفتح بوابات الحياة بعد. وجودكم هنا بهذا الحشد يسرقُ الهواء من رئتيه، وهو الآن يحتاجُ لكل نفس ليعود. أرجوكم... اخلوا الغرفة، اتركوه يصارع مصيره وحيداً." تراجع براين وإدموند وفالاندر ورفاق الدرب بخطواتٍ ثقيلة، يجرون خلفهم خيباتهم وآمالهم، لكنَّ أربعة أجسادٍ ظلت متسمرة في أماكنها كأنها نبتت من أرض الغرفة. اعترض ثيودور بوقار الملك الذي انكسر تاجه، واضعاً يده على عمود الفراش: "لن أتركه يا إلدريد.. لقد أمضيتُ ستة وعشرين عاماً أتنفسُ بعيداً عنه، ولن تخرج أنفاسي الآن إلا بجانبه. سأبقى هنا، حتى لو صار هذا الجناح قبري." أما إيديث، فكانت قد أحكمت قبضتها على يد ألفارد الباردة، ووجهها المنطفئ يتجه نحو وجهه كأنها تستمد منه النور، وقالت بهمس قاطع: "أنا أمه.. والقلبُ الذي توقف عن النبض ستة و عشرين عاماً لن يرحل ويترك نبضه يواجه الموت وحده. أنا لن أخرج من هنا وأتركه حتى لو أزهقتم روحي." سيلاس، أباه الذي رباه وعلّمه كيف يمسك السيف وكيف يحب الأرض، جلس على كرسيٍّ خشبي في الزاوية، ورفع رأسه، وقال بنبرة صلبة: "لقد ربيته على الصمود تحت عواصف الجبال، ولن أتركه تحت عاصفة هذا القصر. سأبقى هنا لأذكره برائحة الأرض التي يحبها." ولم يكن ليوس بأقل منهم إصراراً؛ فقد جثا عند حافة الفراش، متمسكاً بطرف اللحاف الحريري، وعيناه العسليتان تفيضان بالدموع: "هو أخي.. هو مَن منحني الشجاعة حين كنتُ حطاماً. لن أتحرك من هنا حتى يفتح عينيه ويخبرني أن الوعد بيننا ما زال قائماً." أدرك الحكيم إلدريد أن إخراج هؤلاء الأربعة يشبه اقتلاع الجذور من الأرض؛ فهز رأسه باستسلام، وتركهم يحيطون بجسد ألفارد كأعمدةِ معبدٍ قديم، بينما غرق الجناح الطبي في صمتٍ ثقيل، لا يقطعه إلا حشرجة أنفاس ألفارد المتقطعة، وصوت دقات قلوبهم التي كانت تنبضُ له، ومعَه، وبانتظاره. صهيلُ الحرية... وداعُ الصقر الأخير: مرَّ عامٌ كاملٌ على الليلة التي غسلت فيها دماء إيفرونيا خطاياها تحت المطر. عامٌ تنفست فيه المملكة الصعداء بعدما انزاح كابوس فاليريان وإلى الأبد. في الحانات والأزقة، لم يعد الناس يتهامسون رعباً، بل يغنون للعدل الذي ساد؛ فقد فُتحت زنازين الفقر، وأُسقطت الضرائب التي كانت تنهش العظام، بينما نال هيليوس وفاروس جزاءهما العادل خلف قضبانٍ لا تعرف المحاباة. تبدلت الأحوال كفصول السنة؛ داريو المقاتل الضخم استسلم لسحر أستريا، وهي الآن تحمل في أحشائها ثمرة حبهما، بينما ليوس وليوريلا صارا رمزاً للرقة والجمال في القصر. إسفين وجد مكانه في إدارة شؤون الإستخبارات حول القرى، وفالاندر غدا فنان المملكة الأول في ورشته التي اصبحت معرضاً كبيراً يعرض التحف الفخارية الفخمة، حيث يشكل بيده الطين فيخرج فخاراً يتحدث بلغة الأساطير. وفي المزارع البعيدة، كانت سنابل القمح في حقل سيلاس وأوليفر تتمايل كبحرٍ من الذهب، بينما منحوتات و تماثيل كاليب الخشبية تزين الميادين. براين وتيرون صارا درع المملكة حيث تولى براين قيادة الجيش، وتولى تيرون قيادة الحرس، وإدموند بعقله الراجح بات المستشار الأعلى للملك الذي لا يُشق له غبار. في قاعة العرش الكبرى، حيث أعلن ثيودور رسمياً زواجه من إيديث. ساد الصمت حين انفتح الباب الكبير. لم يكن الداخل ملكاً يرتدي التاج، بل كان صقر العدالة. دخل ألفارد أو رايدن كما يسمى الآن، بزيه الأسود المهيب، وعباءته السوداء ذات القلنسوة التي تغطي رأسه، وقناعه يمنحه تلك الهيبة التي تجعل القلوب ترتجف حباً واحتراماً. تقدم نحو العرش بخطوات واثقة، وانحنى لوالده ووالدته بإجلال الصقور. قال ثيودور بيأسٍ مُحب: "ألا يوجد مخرجٌ من هذا القرار يا بني؟ العرشُ ينتظرك، وأنت مَن أنقذ خشبَه من حريق الخيانة والمؤامرات." ابتسم ألفارد وقال بصوتٍ هادئ: "العدالة يا مولاي لا تجلس على الكراسي المريحة؛ إنها تسهر في الأزقة، وتنام فوق الجبال. مكاني ليس هنا، بل حيث يئنُّ المظلوم." انفجرت القاعة بضحكات الشباب؛ جذب داريو ألفارد من كتفه وقال مازحاً: "يبدو أنك أدمنتَ هواء المرتفعات وغبار الفقر يا صديقي، هل تخاف أن يصدأ سيفك من رخام القصر؟" رد إسفين بضحك: "بل يخاف أن نغلبه في شرب الجعة لو بقي هنا!" ضحك فالاندر وكاليب وإدموند، وحتى ليوس الذي عانق أخاه بقوة قائلاً: "ستظل أنت الملك الحقيقي في قلبي، ومعلمي في الشجاعة." عانق ألفارد أخيه ورفاقه و والده ثيودور عناقاً طويلاً، ثم جثا أمام إيديث وقبّل يدها. همست له بدموع الفرح: "اذهب حيث يقودك قلبك يا ولدي، فعيناي الآن ترى العالم من خلال حريتك." وقف ألفارد شامخاً ثم أعطاهم التحية جميعاً، ثم غادر القصر، والليل قد أرخى سدوله. وبمجرد أن وطأت قدماه الساحة الخارجية، انقض صقره الصغير آرس من العتمة ليحط على كتفه بصرخةٍ مدوية. امتطى ألفارد جواده الأسود الذي صهل فرحاً بصاحبه، وانحنى على أذنه وهس بكلماتٍ مشحونة بالقوة: "انطلق يا صديقي... فالعالمُ ما زال يحتاجُ لصوتِ أجنحتنا!" انطلق الحصان كالبرق، يشقُ شوارع العاصمة. كان الناس يخرجون من الشرفات، يلوحون بأيديهم، ويهتفون بصوتٍ واحد هز أركان المملكة: "صقر العدالة! صقر العدالة!" غاب طيفه بين ظلال الأشجار والبيوت، متجهاً نحو الأفق البعيد حيث لا تحكمه سوى النجوم. تلاشت أصوات الحوافر، وبقي صدى الحكاية يتردد في القلوب؛ فالعروش قد تسقط، والملوك قد يرحلون، لكن الحقَّ طائرٌ لا يكسر جناحَه زمن. وفي النهاية... ليست العظمة في أن تحكم الناس من فوق عرش ذهبي، بل في أن تكون الضوء الذي يبدد عتمتهم، والعدالة التي تنصف أنينهم؛ فالتيجانُ تُصنع من المعدن، أما الأبطالُ فتُصاغ أرواحهم من طهر التضحية. تمت. بمناسبة شهر رمضان.. كل عام وأنتم بخير 🤍 أتمنى الرواية تعجبكم شكراً.