الفصل 3
" the writer Aridj "
.
.
.
وبعد أن انقضت صلاة العصر، وانسحب المصلّون من رحاب المسجد بأرواح مثقلة بخشوعٍ حزين، عاد الرجال بخطواتٍ بطيئة إلى البيت الذي انطفأ فيه الضوء الأكبر. دخل كنان يتقدّم أخاه الأصغر، يتبعهما والده، ومعهم عدد من أعمامهما، وقد ارتسم على الوجوه ذاك الصمت الذي يسبق الفجيعة الأخيرة؛ صمتٌ كأنّه ستار يُسدل إيذانًا بالوداع.
كان البيت مغمورًا بأنينٍ خافت، تتردّد أصداؤه بين الجدران التي حفظت ضحكات الراحلة وهمساتها. وحين دلفوا إلى الغرفة، وجدوا ميسون عند رأس أمّها، منحنية تبكي بحرقةٍ تكاد تمزّق صدرها. كانت أصابعها تتشبّث بطرف الكفن، كأنّها تخشى أن يسرقه الزمن من بين يديها.
صرخت بصوتٍ مبحوحٍ تقطّعه الدموع /متبعدوهاش عليا متبعدووووهاش حرام عليكم ....
الترجمة الى العربية /لا تُبعدوها عنّي، لا تُبعدوها… حرامٌ عليكم.
ارتجف المكان لصرختها. تقدّم والدها نحوها بخطواتٍ متردّدة، كمن يسير فوق جمر، واحتضنها بقوّةٍ لم يعهدها في نفسه من قبل. ضمّها إلى صدره يريد أن يسندها، أن يستند بها، أن يختبئ من هذا الألم الذي باغته.... أوقفها من مكانها، لكن جسدها ظلّ يرتعش، ودموعها تنحدر بلا توقّف.
كانت تتمسّك بقميصه وتقول بانكسارٍ طفلٍ أضاع أمّه في زحام العالم /بابا قلهم ميدوهاش .
الترجمة الى العربية /أبي، قل لهم لا يأخذوها.
لم يجبها ؛فالكلمات خانته. أفلتها برفقٍ يشبه الخيانة، ثم التفت إلى أبنائه، وأشار إليهم إشارةً صامتة. تقدّموا جميعًا، وحملوا الجسد المسجّى في نعشه، ذاك الجسد الذي كان يومًا حضنًا ودفئًا وملاذًا.
رفعوه على أكتافهم وفي تلك اللحظة وقبل أن يغادروا ...كأنّ عقل ميسون انفلت من عقاله؛ صرخت صرخةً هزّت الأبواب والنوافذ، واندفعت نحوهم تحاول أن تنزل النعش عن أكتافهم، تضرب الهواء بيديها، تتعلّق بالأذرع والأخشاب، لكن الأكتاف كانت أصلب من رجائها.
خرجوا، وخلفهم ميسون تتعثر في خطواتها، كأنّ الأرض تميد بها. تعثّرت فعلًا، وسقطت على ركبتيها، والكلمات تتخرج من صدرها كبركانٍ بعد الإنفجار /علاش اني اختكم علاش ديرو في هكا ردولي ماما ردوها ...علاش يبابا راني بنتك علاش ديتلي ماما علااااش دوني معاها دوني معاها ياربي ديني معاها .
الترجمة الى العربية /لماذا أنا أختكم؟ لماذا تفعلون بي هكذا؟ أعيدوا لي أمي، أعيدوها… لماذا يا أبي؟ أنا ابنتك، لماذا أخذت مني أمي؟ لماذا؟ خذوني معها، خذوني معها، يا رب خذني معها.
اجتمعت النساء حولها، أيدٍ كثيرة تحاول أن ترفعها، أن تسندها، أن تعيدها إلى قدميها. كانت تبكي كمن يُنتزع قلبه انتزاعًا، ومع ذلك أصرت أن تسير معهم إلى المقبرة، أن تحضر الدفن، كأنّ حضورها هو الخيط الأخير الذي يربطها بأمّها.
كانت تمشي وكأنها شبحٌ بلا روح، بلا دمٍ يجري في عروقها. عيناها زائغتان، وجهها شاحب كقمرٍ غطّته غيوم كثيفة. لا تسمع إلا دقات قلبها، ولا ترى إلا ذلك النعش أمامها، محمولًا على أكتاف إخوتها، يمضي بها بعيدًا.
وصلوا أخيرًا إلى المقبرة. الهواء هناك كان أثقل، والتراب أكثر صمتًا. بدأ الرجال في حفر تلك الحفرة الغبراء، وكلّ ضربة معول كانت كأنها تُحفر في صدر ميسون. جفّت دموعها فجأة، وثبتت عيناها على الحفرة المفتوحة، كأنها هاويةٌ ستبتلع العالم.
دار في خاطرها سؤالٌ موجع:
هل سيكون هذا مسكنك الجديد يا أمي؟
هل سترتاحين فيه؟
هل سيحميك من برودة الشتاء ومن حرّ الصيف؟
وهل طاوعك قلبك على أن تتركي صغيرتك وحدها في هذا الكون الواسع؟
كانت تخاطبها في سرّها، تناجيها بصمتٍ أقسى من الصراخ.
استفاقت من شرودها حين رأت إخوتها ووالدها يتهيّأون لإنزال والدتها إلى الحفرة...... اندفعت كالسهم، ركضت نحوهم وصرخت /بعدوا خليوها
الترجمة الى العربية /ابتعدوا، اتركوها.
أمسكت بيد كنان، تشبّثت بها كغريقٍ يتشبّث بطوق نجاة. رفعت عينيها إليه، وكانت عيناها بحرًا من الدموع، وقالت برجاءٍ يكاد يذيب الصخر /ربي يعيشك خليني معاها مليوني معاها متنزلهاش متنزلهاش .
الترجمة الى العربية /أرجوك، دعني معها..... لا تُنزلوها، لا تُنزلوها.
كنان… ذلك الذي ربّاها مع أمّه، الذي كان يعدّها ابنته قبل أن تكون أخته. تغيّرت ملامحه، تشقّقت روحه وهو يرى انكسارها، لكنه لم يستطع أن يطيل النظر في عينيها؛ كان يخشى أن ينهار، أن يسقط معها في الحفرة ذاتها. أدار وجهه قليلًا، و طلب من عمّه أن يبعدها عنهم.
اقترب العم، وأمسك بميسون برفقٍ حازم، يحاول أن يفكّ أصابعها المتشبّثة بكنان. كانت تصرخ، تتوسّل، تحاول أن تفلت، لكن الرجال أكملوا مهمّتهم الثقيلة. أُنزل الجسد الطاهر إلى مثواه، وبدأ التراب ينساب عليه حفنةً بعد حفنة.
وفجأة… سكتت ميسون. سكتت حين رأت التراب يُردم، حين رأتهم ينهون الدفن، ويستقيم القبر كأنّه لم يكن مفتوحًا قبل لحظات.
بدأوا في صلاة الميت. وقفت بينهم، ويديها ترتجفان. استسلمت أخيرًا، وصلّت على روح والدتھا.
وحين انتهوا، تقدّمت ببطء نحو القبر. جثت أمامه، وضعت رأسها على التراب، كأنّها تحضن أمّها من خلاله، كأنّها تريد أن تشمّ رائحتها الأخيرة. كانت تهمس بكلماتٍ لا يسمعها أحد، إلا ذاك التراب الذي صار فجأةً أغلى من الدنيا وما فيها.
تقدّم مؤيد، جلس بجانبها، ومدّ ذراعه يحتضنها. كان هو الآخر متأثرًا بموت والدته، وملامحه شاحبة، وعيناه مغرورقتان. احتضنها بصمتٍ مشترك، كأنّهما طفلان ضلّا الطريق في ليلةٍ باردة.
أما كنان، فكان يقف إلى جوار والده. نظره شارد، كأنّه يحاول أن يرى في الأفق شيئًا يطمئنه فلا يجد. كان حائرًا؛ ماذا سيحدث الآن؟ كيف سيُملأ هذا الفراغ الذي خلّفته أمّه؟
ماذا تحمل الأيام القادمة في جعبتها لهم؟
كان واقفًا كمن انهدّ سقف بيته فجأة، وبقي تحت السماء العارية، لا يعرف كيف يقي نفسه من مطرٍ قادم......