امرأة خارج التاريخ - الفصل الرابع: نبدة من الماضي - بقلم اشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: امرأة خارج التاريخ
المؤلف / الكاتب: اشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الرابع: نبدة من الماضي

الفصل الرابع: نبدة من الماضي

أحيانًا، عندما أغلق عيني وأجلس وحدي، أرى ذلك الوجه الصغير في المرآة القديمة—الوجه الذي لم يتغير رغم قرون مرت. أرى نفسي كما كنت، فتاة ضائعة في صحراء لا تعرف اسمها، لا تعرف من هي، ولا تعرف حتى إن كانت ستعيش غدًا. لم أبدأ حياتي في صخب المدن ولا في قصور الملوك، بل في العزلة والخوف والجوع. أتذكر أول عطش شعرت به، وكيف أن كل قطرة ماء كانت تبدو كنزًا حقيقيًا، أعظم من أي ذهب أو أي تاج. كان الماء باردًا، شفافًا، غريبًا… شعرت حين شربته أن جسدي أصبح مختلفًا، أقوى، أسرع في التعافي، لا أعرف كيف، لكن شعرت أن الزمن قد ابتسم لي بطريقة غريبة. لم أفهم حينها ما حدث، ولم أكن أعرف أن هذا الفعل البسيط سيغير حياتي بالكامل. لم أعد أخاف من الجروح، ولم أعد أخاف من المرض، ولم أعد أخاف من الموت. كنت أرى أصدقائي وأحبائي يكبرون أمام عينيّ ويشيخون، ثم يرحلون، بينما أظل أنا كما أنا، كأنني مجرد شاهدة على حياة الآخرين. مرت القرون، وكنت أتنقل من حضارة إلى أخرى، أتعلم لغات لم أسمع بها، أرى ملوكًا يسقطون، وحضارات تنهار، وأمم تنهض من الرماد. كل شيء كنت أعيشه كان درسًا في التاريخ، في البشر، في الضعف والقوة، في الحب والفقد. لكن رغم كل شيء، كنت أحاول أن أعيش حياة طبيعية، أرتدي وجهي المألوف، أدرس، أبتسم، وأتظاهر أنني مثل أي إنسانة أخرى. لم أحب أحدًا بصدق بعد أن فقدت أول من أحببت. أحببت رجالًا ونساء، شبابًا وقدماء، لكن كل من اقترب مني ذهب، وتركني مع فراغ أكبر من أي شيء رأيته من قبل. أصبحت أعلم أن الحب بالنسبة لي لا يساوي سوى ألم دائم، وأن الانخراط في حياة الآخرين يشبه الاقتراب من حافة هاوية لا تنتهي. ورغم كل ذلك، كنت أجد سعادة غريبة في التعليم، في مشاركة المعرفة، في رؤية الناس يكتشفون شيئًا جديدًا عن العالم. أحيانًا شعرت أن هذا وحده هو السبب الذي يجعلني أستمر، أن أكون شاهدة، أن أنقل ما رأيته وعشته، دون أن أسمح لأي قلب أن يلتصق بي. وها أنا اليوم، أستاذة جامعية، أعيش حياة "عادية" كما يراها الجميع، لكنهم لا يعرفون شيئًا عن هذا الثقل الذي أحمله في داخلي. عن القرون التي شاهدتها، عن البشر الذين أحببتهم وخسرتهم، عن الفقد الذي أصبح جزءًا مني… وعن حقيقة أنني، رغم كل ما جربته، لا أعرف ما أريده بالضبط من هذه الحياة. أحيانًا أتساءل، بيني وبين نفسي، إن كان كل هذا الثقل والخلود والذكريات هو نعمة… أم لعنة. لكنني لا أجيب. لستُ متأكدة من أنني أرغب في معرفة الإجابة.