الفصل الثالث: جدار الصمت
جلست لساعات في مكتبي بعد رحيل زيد، أراقب الورقة أمامي كأنها قطعة من لغز قديم لا أريد حله، لكن لا أستطيع تجاهله. شعرت بثقل الزمن يضغط على صدري، ليس الزمن الذي يراه الناس، بل ذلك الذي يحمل بين طياته قرونًا من الوجوه والأماكن والأحزان التي لم يعرفها أحد.
لم أعد أستغرب شيئًا. لم أعد أتفاجأ. كل شيء حدث لي في حياتي—كل الحب، كل الفقد، كل الخيانة، كل الحرب—صار جزءًا من نسق داخلي، صورة في جدارية طويلة. وأنا الوحيدة القادرة على النظر إليها كاملة. أحيانًا أحسد الآخرين على بساطتهم، على قدرتهم على نسيان، على الخوض في الحاضر دون أن يظل الماضي يثقل كاهلهم.
لكنني لم أنسَ. لم أتمكن من ذلك أبدًا.
كانت الورقة أمامي تحمل صورة بيضاء وسوداء… وجهي نفسه، نفسي القديمة التي تنظر إلي من قرن مضى. لم أعد أعرف متى يبدأ الماضي ومتى ينتهي. لم أعد أعرف كم من وجوه تشبهني رأيت، أو كم من أماكن أصبحت مألوفة أكثر مما ينبغي. كل شيء بدا لي مثل حلقة زمنية مكررة، لا مخرج لها.
أغمضت عيني للحظة، وحاولت أن أركز على أصوات الشوارع، على خطوات الطلاب التي تتسلل عبر نوافذ الجامعة، على ضحكات بعيدة تبدو عادية لكنني شعرت أنها تتناغم مع صمت داخلي أكبر بكثير.
كنت أريد أن أصرخ… أن أهرب… أن أنسى، لكن شيئًا داخليًا صارمًا منعتني. شيء قديم، قاسي، يعرف أن الهروب ليس خيارًا.
قلت لنفسي بصوت خافت:
"لا يمكن أن يعرف أحد… لا يمكن أن يفهم أحد."
لكنني لم أكن صادقة تمامًا.
زيد كان يعرف، بطريقة ما. لم يتفوه بكلمة واحدة عن الورقة، لم يعلق، لم يطلب تفسيرًا. لكنه كان يعرف أن هناك شيئًا ما وراء هذا التاريخ، وراء هذه الصورة، وراء هذه المحاضرة البسيطة عن سقوط الإمبراطوريات. كان يعرف أنني أعيش شيئًا لم يسمع عنه أحد… شيئًا لا يُفسَّر.
وبينما كنت أراقب الضوء الرمادي يتسرب عبر نافذتي، أدركت شيئًا لم أرغب في الاعتراف به: كنت أخاف.
لم أخف من الموت، لم أخف من الألم، لم أخف من الوحدة.
كنت أخاف من أن يقترب أحد من الحقيقة.
وأن يعرف…
أن يعرف أنني… مختلفة.
جلست حتى أظلم المكتب بالكامل، حتى صارت الظلال صديقًا أكثر من أي شخص آخر. كل شيء بدا هادئًا، طبيعيًا… لكن قلبي ظل يخفق بإيقاع لم أفهمه منذ قرون.
في تلك اللحظة، أدركت أن مواجهة الفضول البريء لزيد كانت البداية. لم أعد أستطيع تجاهل السؤال الذي لم يُطرح بصوت عالٍ، لكنه كان يتردد في الهواء:
"من هي هذه المرأة حقًا؟"
وللمرة الأولى منذ زمن بعيد، شعرت أنني لا أستطيع الإجابة.
كنت أعيش حياتي العادية، أرتدي أقنعتَها بهدوء، أعطي المحاضرات بابتسامة مهذبة، أتظاهر بأن كل شيء طبيعي…
لكن الصمت الذي خلفته الورقة كان صاخبًا أكثر من أي شيء سمعته من قبل.
ولم أعد متأكدة إن كنت أريد الصمت بعد الآن.