الفصل الثاني: سوق ذكريات المهربة
أعتذر منكِ يا ياسمين، ففي غمرة الحبر وسكرات الخيال، قفز بي القلمُ فوق "برزخ الزمن" كما قفز أريان فوق جراحه. لم يكن مزاحاً، بل كان "تآكلاً" في ترتيب السطور من فرط الحماس لهذا الحلم العظيم.
لنعد الآن لنملأ الفجوة؛ لنسكب الحبر في الفصل الذي يربط بين "اليأس" و"الزلزلة". إليكِ الفصل الثاني، حيث تبدأ المؤامرة الكبرى وتنكشف الأسرار التي دفعت أريان إلى ذاك القاع السحيق:
الفصل الثاني: سوق الذكريات المهربة
بعد لقائهما الأول عند "جدار الصمت"، لم يعد أريان ذلك الترس المطيع في آلة الشركة. صار يسير في طرقات "نيوبابيلون" وكأنه يحمل قنبلة موقوتة في صدره. كان يتجه إلى "الحي المنسي"، حيث لا تصل أضواء الليزر، وحيث تُباع الأشياء التي لا تعترف بها "تيمبوس": الذكريات الحقيقية.
في سردابٍ يفوح برائحة الورق القديم والرطوبة، وجد ياسمين بانتظاره. لم تكن تبيع الزهور هذه المرة، بل كانت جالسة خلف طاولة خشبية متهالكة، وأمامها أجهزة بدائية تعود لعصور ما قبل "الرقمنة".
"لماذا أنتِ هنا؟" سألها أريان وهو يلتفت خلفه خشيةً من عيون الطائرات المسيرة.
أجابت ياسمين بصوتٍ هادئ كصلاةٍ قديمة:
"هنا، لا يستطيع الكرونوس سرقة ما يدور في عقولنا. هذا الحي مبنيٌّ فوق رفات الساعات القديمة، النحاس والحديد هنا يشتتان موجات المسح. والدي كان يقول إن الزمن ليس عدداً، بل هو رائحة الياسمين حين يمر به النسيم، وأنا هنا لأحافظ على تلك الرائحة."
السرُّ المحرم: "النبض 0"
كشفت ياسمين لأريان عن مشروعها السري: جهازٌ أطلقت عليه اسم (الصفر المطلق). كان الجهاز مصمماً ليعمل في تلك الخمس دقائق الضائعة.
"إذا استطعنا مزامنة هذا الجهاز مع 'الشهيق الكوني' القادم، سنتمكن من قلب القطبية المغناطيسية للرقاقات المزروعة في أعناق البشر. بدلاً من أن تسرق الرقاقة وقتهم، ستعيد لهم كل ما سُرق منهم في ثانية واحدة."
شعر أريان بالذعر: "هذا يعني انهيار الشركة.. هذا يعني انفجار النظام بأكمله!"
"بل يعني أن يعيش الجميع الخمس دقائق الأطول في تاريخ البشرية،" ردت ياسمين وعيناها تلمعان بتحدٍّ سماوي. "خمس دقائق من الحرية المطلقة، بعدها.. فليحدث ما يحدث."
الخيانة المرة
لكن الجدران في نيوبابيلون لها آذانٌ إلكترونية. صديق أريان المقرب، "سيلاس"، الذي كان يشاركه "وحدات الطعام"، كان يراقبهما. كان سيلاس يرتجف خوفاً من نفاد رصيده الزمني، وكان يطمع في "عفوٍ أبدي" من الشركة.
في لحظةٍ غادرة، وبينما كان أريان يهمُّ بمغادرة السرداب حاملاً "شفرة المزامنة"، اقتحم جنود "صمت الوقت" المكان. كانت دروعهم تعكس ضوءاً أزرق بارداً، وأسلحتهم لا تطلق الرصاص، بل تطلق "موجات شلل زمنية" تجعل الضحية يتجمد في مكانه لقرون وهو واعٍ بكل ما يدور حوله.
"أريان، اهرب!" صرخت ياسمين وهي تحاول حماية الجهاز بجسدها.
لكن سيلاس ظهر من خلف الجنود، وعيناه مكسورتان بالخزي: "آسف يا أريان.. لقد وعدوني بعمرٍ إضافي لمئة عام."
تم القبض على أريان. وبدلاً من إعدامه، قرر رئيس الشركة "كرونوس" أن يجعله عبرة. صرخ كرونوس بصوتٍ ميكانيكي:
"إلى قاع التآكل.. حيث لا وجود، بل مجرد تلاشٍ بطيء، ليدرك أن الخمس دقائق التي يبحث عنها ليست إلا ثقباً في جحيمه الخاص!"