الفصل الثالث
الواحة كانت هادئة بشكل مريب.
مياهها صافية أكثر من اللازم.
الهواء بارد رغم حرارة الصحراء.
ليلى كانت تعالج جرحها،
نادر يصور المكان بانبهار،
وعاصم يراجع جهاز الملاحة.
“الغريب…” قال عاصم وهو يحدق في الشاشة،
“أننا غير موجودين.”
“كيف يعني؟” سألت مها.
“الجهاز ما يلتقط أي إشارة.
كأن المكان… خارج الخريطة.”
سامي جلس بعيدًا، صامتًا لأول مرة.
لم يعد المتحكم.
لكن عينيه لم تفقدا بريق الطمع تمامًا.
العاصفة الثانية
مع اقتراب الليل، تغير الجو فجأة.
رياح قوية بدأت تهب من كل الاتجاهات.
لكن هذه المرة لم تكن مثل الأولى.
لم تكن سوداء…
بل حمراء.
“عاصفة حمراء؟” همست ليلى.
نادر قال بقلق:
“هذه نادرة جدًا… وغالبًا تجلب انهيارات رملية.”
مها نظرت للمدينة خلفهم.
“لو غمرت الرمال المدخل… سنُحبس هنا.”
فجأة…
صرخ عاصم:
“نادر!”
التفتوا.
نادر لم يكن في مكانه.
كاميرته على الأرض…
وآثار سحب واضحة على الرمال.
آثار ليست بشرية.
مخلوقات الليل
السماء أظلمت بسرعة.
الرياح صارت تعوي بين النخيل.
مها انحنت تلمس الأثر.
“شيء جرّه نحو الكثبان.”
سامي قال بصوت منخفض:
“الصحراء ليلًا ليست لنا.”
لكنهم لم يتركوه.
تحركوا بسرعة نحو الكثبان.
ومع أول ومضة برق بعيد…
رأوا ظلالًا تتحرك بين الرمال.
مخلوقات رشيقة، طويلة، عيونها تعكس الضوء.
ليست ذئاب…
ولا كلابًا برية.
كأنها نوع قديم تكيف مع المدينة المدفونة.
صوت نادر جاء خافتًا من بعيد:
“أنا هنا!”
ركضوا نحوه.
وجدوه محاصرًا بين صخرة كبيرة والكثيب،
والمخلوقات تدور حوله بحذر.
ليلى همست:
“لا تهاجمي… هم ينتظرون ضعف.”
مها لاحظت شيئًا.
المخلوقات لا تقترب من ضوء الواحة.
ركضت نحو المشاعل الصغيرة التي أشعلوها سابقًا،
أمسكت واحدة، ولوّحت بها بقوة.
الضوء والنار أخافا المخلوقات.
تراجعت ببطء…
ثم اختفت في الظلام.
سحبوا نادر معهم بسرعة.
عادوا للواحة قبل أن تشتد العاصفة.
السر الحقيقي
داخل أحد أطلال المباني قرب الواحة، وجدوا نقشًا لم يلاحظوه سابقًا.
ترجمة قديمة تقول:
“دفنا المدينة… لأننا اخترنا الطريق السهل.”
جلسوا يستمعون لمها وهي تفسر.
“أظن أن سكان المدينة اكتشفوا النبع قبل قرون.
واستخدموه بلا حدود.
اختصروا الطريق…
استنزفوا الطاقة بدل أن يحموها.”
سامي رفع رأسه ببطء.
“لهذا دُفنت المدينة.”
“ليس بلعنة…” قالت مها.
“بل بعاقبة.”
الصحراء لم تبتلعهم فجأة.
هم من أضعفوا توازنها.
والآن التاريخ يعيد نفسه.
القرار الجديد
العاصفة بدأت تقترب من الواحة.
الماء اهتز.
الأرض حولها تصدعت قليلًا.
قال عاصم:
“إذا بقي النبع مكشوفًا، سيتكرر ما حدث قديمًا.”
سامي نظر لمها.
“يمكننا أخذه معنا…
نستخرج الطاقة بحذر.”
كانت نفس الفكرة القديمة… لكن بصيغة ألطف.
مها نظرت للواحة.
نظرت للمخلوقات التي كانت تحرسها.
ثم قالت:
“لا.
نحن لا نملك هذا المكان.”
“إذن نغادر؟” سألت ليلى.
“نغلقه.”
القرار كان صعبًا.
لأن إغلاق النبع يعني خسارة أي فرصة للثروة أو الشهرة.
لكنه الطريق الأصعب.
عملوا طوال الليل على إعادة تفعيل آلية الإغلاق التي اكتشفتها مها سابقًا.
مع أول ضوء فجر…
بدأت الرمال تتحرك ببطء حول المدينة.
ليس كعاصفة عنيفة…
بل كغطاء حنون.
الواحة بدأت تختفي تدريجيًا.
سامي وقف يشاهد بصمت.
لم يحاول إيقافهم.
ربما لأنه أدرك…
أن بعض الكنوز يجب أن تبقى مدفونة.
الخروج
عندما هدأت الرياح،
كانت المدينة اختفت مرة أخرى تحت الرمال.
لكنهم كانوا خارجها.
على أطراف الصحراء.
سيارتهم المتضررة لا تزال موجودة، لكنها قابلة للإصلاح.
نادر نظر للكاميرا في يده.
“ما عندي صورة للمدينة.”
مها ابتسمت.
“بعض القصص ما تحتاج صورة.”