الفصل الثاني
الأرض تحت أقدامهم لم تهتز فقط…
بل بدأت تتحرك.
الجدران الحجرية انزلقت ببطء، كأنها آلية قديمة استيقظت بعد قرون.
“هذا نظام دفاعي!” صرخت ليلى وهي تحاول تثبيت نفسها.
السقف بدأ ينخفض تدريجيًا.
مها ركضت نحو الباب الحجري الذي أُغلق خلفهم، تحاول دفعه، لكنه لم يتحرك.
من خلف الجدار، سمعوا صوت سامي بوضوح:
“كان يجب أن تبقوا في الخارج.”
ثم… صمت.
“هو يعرف آلية المكان.” قال عاصم بغضب.
مها نظرت بسرعة حولها.
لاحظت رموزًا محفورة على الجدران، تشبه متاهة دائرية.
“هذه ليست فخاخ عشوائية… هذا نظام يعتمد على ترتيب المرور.”
“بمعنى؟” قال نادر وهو يحاول مساعدة ليلى.
“إذا اخترنا الممر الخطأ… المدينة نفسها ستبتلعنا.”
السقف اقترب أكثر.
لم يعد هناك وقت.
الانقسام
وجدوا ثلاثة ممرات ضيقة تتفرع من القاعة.
على كل مدخل رمز مختلف.
مها أخرجت دفتر ملاحظاتها بسرعة.
“النقش اللي شفناه عند المدخل…
قال: من يختصر الطريق يضيع في الظل.”
نظرت للرموز.
الممر الأوسط بدا أقصر.
الممر الأيسر أطول ومتعرج.
الممر الأيمن ضيق ومظلم تمامًا.
عاصم قال:
“الأوسط أسرع.”
مها هزت رأسها.
“والأسرع هو الاختصار.”
اختارت الممر الأطول.
ركضوا فيه قبل أن ينخفض السقف أكثر.
في اللحظة الأخيرة، أُغلق المدخل خلفهم بصوت مدوٍ.
لو اختاروا الأوسط…
لكانوا تحت الأنقاض الآن.
السر المدفون
الممر كان ضيقًا ومتعرجًا فعلًا.
في نهايته…
فتح على قاعة ضخمة تحت الأرض.
وفي المنتصف…
حفرة عميقة ينبعث منها ضوء أزرق خافت.
“هذا النبع.” همس نادر.
لكن قبل أن يقتربوا،
سمعوا صوت تصدع.
ليلى تعثرت.
الأرض تحت قدمها انهارت جزئيًا.
تمسكت مها بذراعها في اللحظة الأخيرة.
لكن وزن ليلى كان يسحبها للأسفل.
عاصم أمسك بمها.
“ما نقدر نمسكها طويل!”
ليلى نظرت لمها بعينين ثابتتين.
“لو سقطت… كملوا.”
“اسكتي!” صرخت مها.
نادر ألقى بحزامه الجلدي وربطه حول ذراع ليلى.
بصعوبة شديدة…
سحبوها للأعلى.
سقطوا جميعًا على الأرض، يتنفسون بصعوبة.
المدينة لم تكن تحاول حمايتهم فقط…
بل كانت تختبرهم.
المواجهة
صوت تصفيق بطيء تردد في القاعة.
سامي خرج من الظل.
كان يحمل جهاز تحكم صغير.
“أعترف… توقعت أن تختاروا الطريق السهل.”
مها وقفت ببطء.
“أنت تعرف أن المكان غير مستقر.”
“أعرف.
لكن الطاقة تحتنا تستحق المخاطرة.”
“ستنهار المدينة فوقك.”
ابتسم.
“ليس إذا سيطرت على النبع أولًا.”
ضغط زرًا في جهازه.
الضوء الأزرق ازداد قوة.
الأرض اهتزت بعنف.
النبع لم يكن مجرد طاقة…
كان نظام توازن قديم يحافظ على استقرار المدينة تحت الرمال.
إذا استُنزف…
ستنهار الصحراء فوقهم.
عاصم صرخ:
“مها! لازم نوقفه!”
لكن كيف؟
مها لاحظت شيئًا.
الرموز حول الحفرة نفسها التي رأتها في المدخل.
النظام يعمل بنفس المنطق.
“هو يحاول اختصار العملية.” همست.
ركضت نحو لوحة حجرية جانبية.
بدأت تضغط الرموز بترتيب معكوس.
الاهتزاز ازداد للحظة…
ثم خفّ فجأة.
الضوء الأزرق عاد لطبيعته الهادئة.
جهاز سامي توقف.
نظر بصدمة.
“مستحيل…”
مها قالت بثبات:
“المدينة ما تحمي كنز…
تحمي توازن.”
الغضب سيطر عليه.
ركض نحو الحفرة محاولًا إعادة تشغيل النظام يدويًا.
لكن الأرض تحت قدميه تصدعت.
صرخ.
حاول التمسك بالحافة.
مها اقتربت.
نظرت له.
كان يمكنها تركه يسقط.
كان السبب في كل شيء.
لكنها مدّت يدها.
تردد لحظة…
ثم أمسكها.
بمساعدة عاصم، سحبوه للأعلى.
سقط على الأرض منهكًا.
نظر إليها بدهشة.
“بعد كل اللي سويته… أنقذتيني؟”
قالت بهدوء:
“أنا ما أختصر طريقي بالانتقام.”
النهاية المؤقتة
الاهتزازات توقفت بالكامل.
لكن صوت تصدع بعيد ما زال يتردد.
المدينة بدأت تفقد استقرارها تدريجيًا.
“لازم نطلع الآن.” قالت ليلى.
لكن قبل أن يغادروا…
لاحظ نادر ممرًا جديدًا فتح خلف الحفرة.
منه ينبعث ضوء طبيعي… كأنه ضوء شمس.
“هذا ما كان موجود قبل.” قال.
مها نظرت للممر.
“المدينة تكافئ من يحميها.”
سامي وقف بصمت.
لم يعد المتحكم.
بل أصبح تابعًا.
خرجوا عبر الممر الجديد…
ليجدوا أنفسهم في واحة حقيقية،
مياه نقية، أشجار نخيل، وسماء صافية.
الصحراء التي كادت تبتلعهم…
أهدتهم الحياة.
لكن المغامرة لم تنتهِ.
لأن خلفهم، في أعماق الرمال…
لا تزال هناك أجزاء من المدينة لم تُكتشف.
وأسرار لم تُفتح.