الرابع
الفصل الرابع
بين السجود والانكسار
مرّت أيام بعد المواجهة… لكنها لم تكن أيامًا عادية.
كانت ثقيلة، بطيئة، تمشي كأنها تحمل نعشًا لا يُرى.
لم يعد يحاول التواصل.
ولا هي حاولت.
كان الصمت بينهما أصدق من ألف رسالة اعتذار.
لكن شيئًا في الداخل لم ينتهِ.
الوجع لم يكن فقط خيانة قلب… بل خيانة صورة.
هو لم يخسرها وحدها… بل خسر النسخة التي كانت تؤمن به، تدعو له، وتراه أطهر مما هو.
في إحدى الليالي، استيقظت على صوت الأذان.
لم تكن تبكي هذه المرة.
لم تكن تفكر فيه.
كانت تفكر في نفسها.
كيف أعطت قلبها بهذه السهولة؟
كيف ربطت مصيرها بوعد إنسان؟
ألم يكن الله أولى بكل هذا الحب؟
توضأت… ووقفت للصلاة.
كانت ركعتان فقط، لكنهما أطول من كل علاقتها به.
في السجود… لم تطلب رجوعه.
لم تطلب انتقامًا.
طلبت فقط أن يُصلح الله قلبها… وأن يردّه إليه لا إلى أحد.
وانفجرت بالبكاء.
ليس بكاء شوق.
ولا بكاء ضعف.
كان بكاء تحرر.
وفي الجهة الأخرى…
كان هو أيضًا مستيقظًا.
الهاتف أمامه.
صورتها ما زالت خلفية الشاشة.
محذوفة من حياته… لكنها لم تُمحَ من ذاكرته.
تذكر كلماتها:
"الخيانة مو بس جسد… الخيانة نية."
هزّته الجملة أكثر مما أظهر.
هو لم يرَ نفسه خائنًا.
أقنع نفسه أن ما فعله “مجرد مجاملة”… “تجربة”… “شيء عابر”.
لكنه كان يعلم في داخله… أنه كان يبحث عن إعجاب جديد.
عن شعور يغذّي غروره.
عن امرأة تمدحه أكثر… وتطلبه أكثر… وتُشعره أنه لا يُقاوَم.
نسي أن الحب ليس سباق تصفيق.
الحب مسؤولية.
ولأول مرة… شعر بالخجل.
ليس منها.
من نفسه.
بعد أسبوع…
وصلها خبر أنه خُطب.
لم تُصدَم.
لم تنهَر.
فقط ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت:
"الله يبارك له."
كانت تتوقع أن يتزوج سريعًا.
الرجل الذي يخاف مواجهة نفسه… يهرب إلى علاقة جديدة قبل أن يحاسب قلبه.
لكن الذي لم تتوقعه…
أنها لن تشعر بالغيرة.
شعرت بشيء آخر.
شعرت بالشفقة.
ليس لأنه خسرها…
بل لأنه لم يعرف قيمتها حين كانت بين يديه.
مرت أشهر.
تغيرت كثيرًا.
لم تعد الفتاة التي تنتظر رسالة.
ولا التي تربط مزاجها بوجود شخص.
عادت تهتم بدراستها.
حفظت سورًا جديدة من القرآن.
بدأت مشروعًا صغيرًا كانت تؤجله دائمًا.
كل مرة كانت تنجح في شيء… كانت تقول لنفسها:
"أنا ما كنت ضعيفة… كنت فقط أضع قلبي في المكان الخطأ."
وذات مساء…
التقيا صدفة.
لم يكن اللقاء مرتبًا.
ولا فيه دراما.
فقط شارع مزدحم… ونظرات تقاطعت.
تغير شكله قليلًا.
وتغيرت ملامحها أكثر.
نظر إليها طويلًا.
وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل.
لم تكن تلك الفتاة التي كانت تذوب أمامه.
كانت ثابت