الفصل 2
" the writer Aridj "
.
.
.
أذّن أذانُ العصر، فاهتزّ الهواء كأن كلمات التكبير تذكير للقلوب قبل المسامع .
نهضت بعضُ النساء على عجل، وهنّ يجررن أطراف الحزن خلفهنّ، متوجّهاتٍ إلى الوضوء استعدادًا للصلاة. كان صوت حركتهنّ خافتًا، كخشخشة أوراق يابسة تحت أقدام الخريف.
أمّا هي… فبقيت في مكانها.
كانت جالسة أمام كفن والدتها، ذلك البياض المغطى، كأنّه صفحةُ صمتٍ مطبقة على جسدٍ كان منذ ساعاتٍ فقط ينبض بالحياة. كانت تحدّق في الملامح التي غطّاها القماش، كأنّها تحاول أن تحفظ ما تبقّى من أثر الأمّ في الذاكرة قبل أن يبتلعه التراب.
حرّكت شفتيها بكلماتٍ غير مسموعة، همساتٍ ظنّ الجالسون أنّها دعاء، أو آياتٌ تتلى، أو عبارات تعزيةٍ للنفس. لكنّها في الحقيقة كانت تُحدّث أمّها… كانت تُحادثها كما كانت تفعل في الليالي الطويلة ....
تمتمات وداع… تمتمات عتاب… تمتمات استسماح…
كانت تقول لها ما لم تقله من قبل، تعاتبها لأنّها رحلت سريعًا، وتستسمحها لأنّها لم تكن الابنة المثالية في كلّ حين، وتودّعها لأنّها تعرف أنّ هذا الفراق ليس ككلّ فراق.
كانت الكلمات تخرج من قلبٍ مكسور، تتعثّر بين الضلوع، وتسقط عند حافة الدموع.
لم تشعر بشيءٍ حولها، لا بحركة النساء، ولا بخشخشة الثياب، ولا بتغيّر الضوء في الغرفة، حتّى أحسّت بذراعين تطوّقانها من الخلف. فزعت قليلًا، ارتجفت كتفيها، وتجمّد جسدها لحظةً، لكنّها سرعان ما هدأت حين عرفت أنّه شقيقها.
دار بها برفقٍ لتواجهه. مدّ أنامله ومسح ما خلّفته الدموع من أثرٍ على خدّيها، وكان صوته متهدّجًا لكنّه حاول أن يبدو ثابتًا /نوضي تنوض اختي تصلي وادعيلها… وجدي روحك حنا راح نخرجوها.
الترجمة الى العربية /انهضي، انهضي يا أختي لتصلّي وتدعي لها… وهيّئي نفسك، فنحن سنخرجها.
أنزلت رأسها إلى الأسفل، وكأنّ الكلمات أثقلت رقبتها. سقطت دمعةٌ يتيمة، دمعةٌ واحدة، كأنّ القلب نفسه قال لها: كفى… كفى عن البكاء، فلن يعيد البكاء ما ذهب.
مدّ يده إلى ذقنها، رفع رأسها بلطفٍ أخويٍّ يختلط فيه الحنان بالألم، ثم قبّل جبينها قبلةً طويلةً صامتة، واحتضنها، وأعانها على الوقوف. كانت ساقاها غير قادرتين على الثبات كغصنين في مهبّ ريحٍ باردة.
غادرت الغرفة بصعوبة… بعد أن أطالت الوقوف تنظر إلى والدتها المغطّاة. جسدٌ بلا روح… صورةٌ لا تصدّقها العين، ولا يقبلها القلب. شعرت أنّ شيئًا منها يُنتزع مع كلّ خطوةٍ تخطوها خارج الغرفة.
بقي هو الآخر واقفًا في مكانه.
تجمّد في بقعته كأنّ الأرض أمسكته من قدميه. كيف سيفعل مع أخته؟ كيف سيحمل هذا العبء وحده؟ كيف يكون لها سندًا وهو نفسه يتداعى من الداخل؟
مرّت في خاطره صورة والدته وهي تضحك وتقول بمرحٍ مشوبٍ بفخر الأمّ /أنا غير متهدروش معايا نهار تدي بنتي لباك، ندير وعدة كبيرة 7 أيام و7 ليالي…
الترجمة الى العربية /لا تكلّموني يوم تنجح ابنتي في البكالوريا، سأقيم وليمة كبيرة سبعة أيام وسبع ليالٍ…
كانت تحلم بفرحٍ طويل، بزغاريد تمتدّ أسبوعًا، ببيتٍ يضجّ بالحياة. لكن قدر الله فوق كلّ كائنٍ ومخلوق، وشاءت الأقدار أن تغادر قبل أن ينتهي الفصل الأوّل من عام ابنتها الدراسي… قبل أن ترى ثمرتها تكبر، قبل أن تزفّها، قبل أن تفرح كما كانت تتمنّى.
استفاق أخيرًا من شروده، كمن خرج من غيبوبة قصيرة، ومسح وجهه بكفّه، ثم اتجه بخطواتٍ ثقيلة إلى خيمة الرجال..... كان الهمّ يجلس على كتفيه ويثقله كشيخٍ عجوز.
فجأةً تذكّر… لم يتفقّد أباه.
توقّف عجلة أفكاره للحظة، وعاد أدراجه مسرعًا. دخل إلى مقدّمة الخيمة، مسحها بنظرةٍ بانوراميةٍ ماسحة، يتفحّص الوجوه واحدًا واحدًا، لكنّه لم يجده. بدأ يبحث خارجه، يتلفّت في كلّ اتجاه، كمن يخشى أن يكون الفقد قد تضاعف.
حتى رآه.....
كان يجلس أسفل شجرةٍ كبيرة… شجرةٌ عتيقة كانت شاهدةً على سنواتٍ من العمر، شجرةٌ كانت صديقةً لزمنٍ مضى، ظلّها احتضن ضحكاتٍ عائلية، وأحاديثَ مساء، وربما شجاراتٍ عابرة. اليوم كانت شاهدةً على انكسار رجل.
كان والده شاحبًا، مهمومًا، مطأطئ الرأس، وسبحته في يده تدور ببطءٍ كأنّها تحاول أن تعدّ أنفاسه المتقطّعة.
تقدّم نحوه بخطواتٍ متردّدة، ثم جثا على ركبتيه أمامه، كأنّه يعود طفلًا يطلب الأمان من أبيه، وقال بصوتٍ حاول أن يجعله ثابتًا /بابا هيا معايا نصليو باش ندفنو ما…
الترجمة الى العربية /أبي، هيا معي لنصلّي حتى ندفن أمي ...
لم يكمل كلماته....
رفع والده رأسه عند آخر كلمة، ونظر إليه بعينين غارقتين في الذهول. كانت ملامحه متغيّرة، كأنّه خرج لتوّه من صدمةٍ لم يستوعبها بعد، وقال بيأسٍ مكسور... بصوتٍ يحمل إنكارًا موجعًا /حتى انت… حتى انت… أمك ما ماتتش، أمك مزالت حية، راهي فالكوزينة تستنى فينا باش نتقهاو…
الترجمة الى العربية /حتى أنت… حتى أنت… أمك لم تمت، أمك ما زالت حيّة، هي في المطبخ تنتظرنا لنحتسي القهوة…
تزحلقت دمعةٌ على خدّ كنان ، انسابت من بين محاجر عينيه رغم محاولته الثبات. مدّ يده ومسحها بسرعة، ثم قال بصوتٍ مبحوحٍ /مديرش فينا هك يا بابا… حنا نسحقوك واقف معانا يا بابا… هذا قضاء الله وقدره… واستغفر الله من الاعتراض على قدر الخالق… إنّا لله وإنّا إليه راجعون… شاء الله وما شاء فعل…
الترجمة الى العربية/لا تفعل بنا هذا يا أبي… نحن نحتاجك يا أبي… هذا قضاء الله وقدره… وأستغفر الله من الاعتراض على قدر الخالق… إنّا لله وإنّا إليه راجعون… شاء الله وما شاء فعل…
في تلك اللحظة… انهار الأب.
وضع يده على عينيه، وانفجر بالبكاء كبكاء طفلٍ صغيرٍ فقد أمّه لتوّه. كان بكاءً عاريًا من كلّ كبرياء، بكاءً لا يشبه الرجل الذي اعتادوا أن يروه صلبًا، سندًا، عمود البيت.
لم يسبق لكنان أن رأى والده بهذه الحال. شعر أنّ الأرض تميد به، وأنّ كلمات التخفيف هجرت لسانه.
أيّ عبارةٍ يمكن أن تُقال الآن؟ وأيّ عزاءٍ يمكن أن يواسي رجلًا فقد رفيقة دربه، شريكة بيته، متمّمة نصف دينه، أمّ أولاده، عشيرته، وحبيبته؟
ظلّ جاثيًا أمامه، يضع يده على كتفه، دون كلام. كان الصمت بينهما أصدق من كلّ الخطب. وكانت الشجرة العتيقة فوقهما تهمس بأوراقها، كأنّها تشهد أنّ الفقد حين يكون بهذا الحجم… لا يُحتمل بالكلمات، بل يُحتمل بالقلوب المنكسرة التي تتكئ على بعضها كي لا تسقط.....