رماد فوق دجلة - الوجه الآخر للحرب - بقلم محمد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: رماد فوق دجلة
المؤلف / الكاتب: محمد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الوجه الآخر للحرب

الوجه الآخر للحرب

لم يولد "علي رضا" جنديًا. وُلد في أطراف مدينة أصفهان، تحت ظل القباب الزرقاء والأسواق المزدحمة. كان أبوه صانع خزف، يزيّن الأطباق بآياتٍ وزخارف، ويقول له دائمًا: "اليد التي تخلق الجمال لا يجب أن تحمل السيف." لكن القرن السابع عشر لم يكن قرنًا رحيمًا. كانت الدولة الصفوية تخوض صراعًا طويلًا مع الدولة العثمانية على أرض العراق. وكانت مدن مثل نينوى والموصل تتحول كل بضع سنوات إلى ساحات نزاع. حين استُدعي علي رضا إلى الجيش، لم يفهم السياسة. لم يكن يعرف شيئًا عن معاهدات الحدود أو صراع العروش. كان يعرف فقط أن الفقر ينتظر من يتخلّف، وأن الحرب تمنحه خبزًا لعائلته. سار الجيش عبر جبال زاغروس، ثم انحدر نحو السهول الواسعة. كان القادة يتحدثون عن المجد، عن استعادة أراضٍ "مغتصبة"، عن حماية العقيدة. لكن الجنود في الصفوف الخلفية كانوا يتحدثون عن البرد… وعن الخوف. في إحدى الليالي، جلس علي رضا بجانب صديقه كريم. قال كريم: "يقولون إن أهل نينوى يقاتلون حتى آخر رجل." أجابه علي رضا بصوت خافت: "وأهل أصفهان كذالك." لم يكن بينه وبين أهل نينوى عداوة شخصية. لم يرَ واحدًا منهم قط. ومع ذلك، كان يسير نحوهم بسيف مسلول. عند الفجر، بدأت المدافع تدكّ الأسوار. كان علي رضا في الصف الثاني. يرى الحجارة تتطاير، ويسمع صرخاتٍ لا يعرف لغتها تمامًا لكنها تشبه صرخات أي أم في أي أرض. حين فُتحت البوابة، اندفع الجنود. لم يرَ وجوهًا… رأى ظلالًا تتحرك وسط الدخان. وفي زقاق ضيق، التقى بسالم. لم يعرف اسمه. لم يعرف قصته. رأى فقط رجلًا جريحًا يحمل سيفًا بعنادٍ أخير. تبارزا لحظات قصيرة بدت دهورًا. وحين اخترق السيفان الجسدين، سقطا معًا. لكن، بخلاف ما ظنه سالم، لم يمت علي رضا فورًا. أُسعف ونُقل إلى خيمة العلاج. حين تعافى جزئيًا، طُلب منه المشاركة في تمشيط الأزقة. رأى بيوتًا محترقة. أطفالًا مختبئين. نساءً ينظرن إليه كما لو كان إعصارًا له وجه إنسان. وفي أحد البيوت المهدمة، لمح خرزة زرقاء على الأرض. تجمّد في مكانه. تذكّر أخته الصغيرة في أصفهان، التي كانت تضع خرزة مشابهة خوفًا من الحسد. في تلك اللحظة، فهم شيئًا لم يعلّمه له القادة: الطرف الآخر ليس شبحًا… بل نسخة أخرى منك، وُضعت في جهة مختلفة من الخريطة.