تحت التراب
وصلتهم رسالة سرّية:
قافلة ذخيرة صفوية ستمرّ قرب دجلة ليلًا.
كانت فرصةً نادرة.
انطلقوا عبر الأنفاق.
القلوب تخفق، والبرد يلسع العظام.
لكن عندما خرجوا…
كانت الكمين بانتظارهم.
أُضيئت المشاعل فجأة.
السهام انطلقت من كل اتجاه.
صرخ يوسف وسقط.
أُصيبت حنّة في ساقها.
واختفى الشيخ داوود وسط الفوضى.
أدرك سالم الحقيقة بسرعة مرعبة:
أحدهم خانهم.
قاتل حتى شقّ طريقًا للهرب مع من تبقّى.
لكن المدينة لم تعد آمنة حتى تحت الأرض.
عاد سالم إلى السرداب الأول حيث تعافى.
هناك وجد الشيخ داوود… جالسًا ينتظر.
لم يكن مختطفًا.
ولم يكن ميتًا.
كان هو الخائن.
باع مواقع الأنفاق مقابل وعدٍ بالأمان له ولعائلته.
لم يصرخ سالم.
لم يرفع سيفه فورًا.
سأله بهدوء:
"هل أنقذت عائلتك؟"
أجاب الشيخ بصوت مرتجف:
"لا أحد ينجو."
وفي تلك اللحظة، دوّى انفجار ضخم.
القوات الصفوية فجّرت جزءًا من الأنفاق لإغلاقها.
انهار السرداب.
حاول سالم الخروج، لكن السقف الحجري سقط فوقه.
سمع صراخ حنّة بعيدًا… ثم صمت.
دفنت نينوى أبناءها مرتين.
مرةً في المعركة الأولى،
ومرةً في الظل.
بعد سنوات، استعادت الدولة العثمانية السيطرة على الموصل،
لكن أحدًا لم يبحث عن الأنفاق.
تحت الأرض، بقيت عظام رجالٍ لم يُذكروا في السجلات.
لم يكونوا قادةً ولا سلاطين.
كانوا مجرد بشر رفضوا أن يُمحى اسم مدينتهم.
ويُقال إن بعض عمّال الحفر في القرون اللاحقة، حين كانوا يحفرون قرب ضفاف دجلة، وجدوا سيوفًا صدئة متشابكة…
لكنهم لم يعرفوا لمن كانت.
أما سالم،
فلم يمت فلاحًا،
ولم يُبعث بطلًا.
مات… شاهدًا على أن الحروب الكبرى تُكتب بأسماء الملوك،
لكنها تُدفن بدماء المجهولين.