الذي لم يمت
لم يكن سالم أول من سقط…
لكنّه لم يكن آخر من نهض.
عند الغروب، حين انسحبت القوات الصفوية من بعض أحياء نينوى لتثبيت مواقعها، جاءت نسوة يبحثن عن قتلاهن. بين الأجساد المتشابكة، وجدت امرأة مسنّة شابًا ما يزال صدره يتحرك ببطء.
لم يكن سالم قد مات.
السيف اخترق جنبه، لكنه لم يصب القلب.
أُخفي في سردابٍ قديم تحت بيتٍ مهدّم، وعولج بوسائل بدائية: قماش محروق لوقف النزيف، وماء دجلة لغسل الجرح.
استيقظ بعد ثلاثة أيام.
أول ما رآه… كان الخراب.
نينوى لم تعد المدينة التي يعرفها.
رايات الدولة الصفوية ترتفع فوق الأبراج.
والجنود يجوبون الأزقة.
في تلك اللحظة، مات الفلاح في داخله.
وولد شيء آخر . لم يعد القتال مواجهةً بالسيوف.
أصبح حربًا في العتمة.
انضم سالم إلى مجموعة صغيرة من الرجال والنساء الذين فقدوا بيوتهم وأقاربهم. لم يكونوا جيشًا، بل جراحًا تمشي على قدمين.
كان بينهم:
حنّة، فتاة نجت من مجزرة في حي النجارين.
يوسف الحدّاد، الذي صار يصنع الخناجر بدل المحاريث.
ورجل غامض يُدعى "الشيخ داوود"، يعرف أنفاقًا قديمة تحت المدينة تعود إلى عصور أقدم من العثمانيين والصفويين معًا.
بدأوا يهاجمون دوريات صغيرة ليلًا.
يسرقون السلاح.
يحرّضون الأهالي.
يحرقون مخازن البارود.
صار اسم "شبح نينوى" يتردد بين الجنود.
لكن الحرب في القرن السابع عشر لم تكن مجرد سيوف في الأزقة.
كانت جزءًا من صراعٍ أكبر بين الدولة العثمانية في عهد مراد الرابع، والدولة الصفوية التي أسسها قبل عقود الشاه إسماعيل الأول واستمر صراعها مع العثمانيين على أرض العراق.
نينوى كانت مجرد رقعة شطرنج.
وسالم بدأ يفهم ذلك.